فهرس الكتاب
الْوَطْءِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى النِّكَاحِ، لَا يَمْنَعُ الزَّوْجَ إمْسَاكَ زَوْجَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا ; لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ ارْتِجَاعُهَا، كَالْمُرْتَدَّةِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; فَإِنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَمْنَعُ الرَّجْعَةَ، كَالْإِحْرَامِ.
وَيُفَارِقُ الرِّدَّةَ ; لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَى بَيْنُونَةٍ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ. وَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي عِدَّةِ الثَّانِي ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ. وَإِذَا ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتْ بِالْقُرُوءِ أَوْ بِالْأَشْهُرِ، انْقَطَعَتْ عِدَّتُهُ بِالرَّجْعَةِ، وَابْتَدَأَتْ عِدَّةً مِنْ الثَّانِي، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثَّانِي، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ. وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالْحَمْلِ، لَمْ يُمْكِنْ شُرُوعُهَا فِي عِدَّةِ الثَّانِي قَبْلَ وَضَعَ الْحَمْلِ ; لِأَنَّهَا بِالْقُرُوءِ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا، شَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ مُلْحَقًا بِالثَّانِي، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِهِ عَنْ الثَّانِي وَتُقَدِّمُ عِدَّةَ الثَّانِي عَلَى عِدَّةِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا أَكْمَلَتْهَا، شَرَعَتْ فِي إتْمَامِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَرْتَجِعَهَا ; لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهْت الْأَجْنَبِيَّةَ أَوْ الْمُرْتَدَّةَ. وَالثَّانِي، لَهُ رَجْعَتُهَا ; لِأَنَّ عِدَّتَهَا مِنْهُ لَمْ تَنْقَضِ، وَتَحْرِيمُهَا لَا يَمْنَعُ رَجْعَتَهَا، كَالْمُحَرَّمَةِ.
(6349) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَمَاتَ وَلَدُهَا، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: يَعْتَزِلُ امْرَأَتَهُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً. وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنِ ابْنِهِ، وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ
.قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَنْظُرَ بِهَا حَمْلٌ أَمْ لَا ؟ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا حِينَ مَوْتِهِ، وَرِثَهُ حَمْلُهَا، وَإِنْ حَدَثَ الْحَمْلُ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَمْ يَرِثْهُ. فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ أَبٌ أَوْ جَدٌّ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا مِيرَاثَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا ; لِأَنَّ الْحَمْلَ مَعْلُومٌ، وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا ; لِلْيَأْسِ مِنْ حَمْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُمْكِنُ حَمْلُهَا، وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَمْلٌ، وَلَمْ يَعْتَزِلْهَا زَوْجُهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَرِثَ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرِ مِنْ حِينِ وَطِئَهَا بَعْدَ مَوْتِ وَلَدِهَا، لَمْ يَرِثْ، لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ وُجُودَهُ حَالَ مَوْتِهِ. هَذَا يُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
(6350) فَصْلٌ: فِي أَحْكَامِ الْمَفْقُودِ.
إذَا غَابَ الرَّجُلُ عَنْ امْرَأَتِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، يُعْرَفُ خَبَرُهُ، وَيَأْتِي كِتَابُهُ، فَهَذَا لَيْسَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعِينَ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، فَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ فَسْخَ النِّكَاحِ، فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْأَسِيرِ لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَعْلَمَ يَقِينَ وَفَاتِهِ. وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ، فَزَوْجَتُهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، حَتَّى تَعْلَمَ مَوْتَهُ أَوْ رِدَّتَهُ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إبَاقُهُ طَلَاقُهُ. وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْقُودٍ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ، كَالْحُرِّ، وَمَنْ تَعَذُّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَحُكْمُهَا فِي الْفَسْخِ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، أَوْ فِي كَسْبِهِ، فَيُعْتَبَرُ تَعَذُّرُ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَحَلِّ الْوُجُوبِ.