فهرس الكتاب
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْهُ بِاللَّطْمَةِ، فَيَلْطِمُهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِثْلَ لَطْمَتِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ أَنْ يُذْهِبَهُ بِمَا ذَكَرْنَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ ; فَإِنَّ اللَّطْمَةَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا مُنْفَرِدَةً، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا إذَا سَرَتْ إلَى الْعَيْنِ، كَالشَّجَّةِ إنْ كَانَتْ دُونَ الْمُوضِحَةِ، وَلِأَنَّ اللَّطْمَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْعَيْنِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا بِمِثْلِهَا مَعَ الْأَمْنِ مِنْ إفْسَادِ الْعُضْوِ، فِي الْعَيْنِ فَمَعَ خَوْفِ ذَلِكَ أَوْلَى ; وَلِأَنَّهُ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ الْآلَةِ الْمُعَدَّةِ كَالْمُوضِحَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ اللَّطْمَةُ تَذْهَبُ بِذَلِكَ غَالِبًا، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَذْهَبُ بِهِ غَالِبًا فَذَهَبَ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يُفْضِي إلَى الْفَوَاتِ غَالِبًا، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْقِصَاصُ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ الْقِصَاصُ بِكُلِّ حَالٍ ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} . وَلِأَنَّ اللَّطْمَةَ إذَا أَسَالَتْ إنْسَانَ الْعَيْنِ، كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْجُرْحِ الْإِفْضَاءُ إلَى التَّلَفِ غَالِبًا.
(6703) فَصْلٌ: فَلَوْ لَطَمَ عَيْنَهُ، فَذَهَبَ بَصَرُهَا، وَابْيَضَّتْ، وَشَخَصَتْ، فَإِنْ أَمْكَنَ مُعَالَجَةُ عَيْنِ الْجَانِي حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهَا وَتَبْيَضَّ وَتَشْخَصَ، مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى الْحَدَقَةِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَهَابُ بَعْضِ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ يَذْهَبَ الْبَصَرُ دُونَ أَنْ تَبْيَضَّ وَتَشْخَصَ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِلَّذِي لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ فِيهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَ هَاشِمَةً، فَإِنَّهُ يَقْتَصُّ مُوضِحَةً، وَيَأْخُذُ أَرْشَ بَاقِي جُرْحِهِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، لَا يُسْتَحَقُّ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا اقْتَصَّ مِنْهُ يَعْنِي لَطَمَهُ مِثْلَ لَطْمَتِهِ فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، وَلَمْ تَبْيَضَّ، وَلَمْ تَشْخَصْ، فَإِنْ أَمْكَنَ مُعَالَجَتُهَا حَتَّى تَبْيَضَّ وَتَشْخَصَ، مِنْ غَيْرِ ذَهَابِ الْحَدَقَةِ، فَعَلَهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ انْدَمَلَتْ مُوضِحَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَحْشَةً قَبِيحَةً، وَمُوضِحَةُ الْجَانِي حَسَنَةً جَمِيلَةً، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى أَنَّ اللَّطْمَةَ حَصَلَ بِهَا الْقِصَاصُ، كَمَا حَصَلَ بِجُرْحِ الْمُوضِحَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا.
(6704) فَصْلٌ: وَإِنْ شَجَّهُ شَجَّة دُون الْمُوضِحَةِ، فَأَذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِهِ، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ مِثْلَ شَجَّتِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهَا لَا قِصَاصَ فِيهَا إذَا لَمْ يَذْهَبْ ضَوْءُ الْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ إذَا ذَهَبَ، وَيُعَالَجُ ضَوْءُ الْعَيْنِ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا فِي اللَّطْمَةِ. وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً. وَهَلْ لَهُ أَرْشُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ الْعَيْنِ، وَإِلَّا اسْتَعْمَلَ فِيهِ مَا يُزِيلُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى الْحَدَقَةِ. وَإِنْ شَجَّهُ مُوضِحَةً، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهَا. وَحُكْمُ الْقِصَاصِ فِي الْبَصَرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقِصَاصِ فِي الْبَصَرِ، فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا قِصَاصَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالسِّرَايَةِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إصْبَعَهُ، فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى الَّتِي تَلِيهَا، فَأَذْهَبَهَا عِنْدهمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْقِصَاصُ هَاهُنَا، قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ ضَوْءَ الْعَيْنِ لَا تُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْجِنَايَةِ، فَيَقْتَصُّ مِنْهُ بِالسِّرَايَةِ، كَالنَّفْسِ، فَيَقْتَصُّ مِنْ الْبَصَرِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلَ هَذَا.
(6705) فَصْلٌ: إذَا قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ،