الْعَقْلَ. وَأَهْلُهُ ذَوُو رَحِمِهِ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ; لِأَنَّ حَقَّ غَيْرِ الْعَافِي لَا يَرْضَى بِإِسْقَاطِهِ، وَقَدْ تُؤْخَذُ النَّفْسُ بِبَعْضِ النَّفْسِ، بِدَلِيلِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ. وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ". وَهَذَا عَامٌ فِي جَمِيعِ أَهْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ يَبْلُغُنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَمَا عَلِمْت عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْت عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلَّا مَعِي. يُرِيدُ عَائِشَةَ. وَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهْلَك وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا} .
وَرَوَى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلِ قَتَلَ قَتِيلًا، فَجَاءَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَتْ امْرَأَةُ الْمَقْتُولِ، وَهِيَ أُخْتُ الْقَاتِلِ: قَدْ عَفَوْت عَنْ حَقِّي. فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، عَتَقَ الْقَتِيلُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا رَجُلًا، فَقَتَلَهَا، فَاسْتَعْدَى إخْوَتُهَا عُمَرَ، فَقَالَ بَعْضُ إخْوَتِهَا: قَدْ تَصَدَّقْت. فَقَضَى لِسَائِرِهِمْ بِالدِّيَةِ. وَرَوَى قَتَادَةُ، أَنَّ عُمَرَ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا، فَجَاءَ أَوْلَادُ الْمَقْتُولِ، وَقَدْ عَفَا بَعْضُهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: مَا تَقُولُ ؟ قَالَ: إنَّهُ قَدْ أُحْرِزَ مِنْ الْقَتْلِ. فَضَرَبَ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَ: كَنِيفٌ مُلِئَ عِلْمًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلِأَنَّ مِنْ وَرِثَ الدِّيَةَ وَرِثَ الْقِصَاصَ كَالْعُصْبَةِ، فَإِذَا عَفَا بَعْضُهُمْ، صَحَّ عَفْوُهُ، كَعَفْوِهِ عَنْ سَائِرِ حُقُوقِهِ، وَزَوَالُ الزَّوْجِيَّةِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْقِصَاصِ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْ اسْتِحْقَاقَ الدِّيَةِ، وَسَائِرِ حُقُوقِهِ الْمَوْرُوثَةِ. وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْن جَمِيعِهِمْ، سَقَطَ بِإِسْقَاطِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْقَاطِ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْهُ لَهُ، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، فَإِذَا سَقَطَ سَقَطَ جَمِيعُهُ ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَبَعَّضُ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ لَا يَتَبَعَّضُ، مَبْنَاهُ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ، فَإِذَا أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ، سَرَى إلَى الْبَاقِي كَالْعِتْقِ، وَالْمَرْأَةُ أَحَدُ الْمُسْتَحِقِّينَ، فَسَقَطَ بِإِسْقَاطِهَا كَالرَّجُلِ.
وَمَتَى عَفَا أَحَدُهُمْ، فَلِلْبَاقِينَ حَقُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا أَوْ إلَى الدِّيَةِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا أَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا مِمَّنْ قَالَ بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَثَبَتَ لَهُ الْبَدَلُ كَمَا لَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ بَعْضَ دَمِهِ أَوْ مَاتَ، وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(6751) فَصْلٌ: فَإِنْ قَتَلَهُ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ عَالِمًا بِعَفْوِ شَرِيكِهِ، وَسُقُوطِ الْقِصَاصِ بِهِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ أَوْ لَمْ يَحْكُمْ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: لَهُ قَوْلٌ آخَرُ، لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً، لِوُقُوعِ الْخِلَافِ وَلَنَا. أَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا مُكَافِئًا لَهُ عَمْدًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِالْعَفْوِ حَاكِمٌ، وَالِاخْتِلَافُ لَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ، فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، قَتَلْنَاهُ، بِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي قَتْلِهِ. وَأَمَّا إنْ قَتَلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ