فهرس الكتاب

الصفحة 3119 من 3896

الْخَمْرِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ دَعْوَى. وَلِأَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ تَفْتَقِرْ الشَّهَادَةُ بِهِ إلَى تَقَدُّمِ دَعْوَى، كَالْعِبَادَاتِ، يُبَيِّنُهُ أَنَّ الدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ، وَهَذَا لَا حَقَّ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَيَدَّعِيَهُ، فَلَوْ وَقَعَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الدَّعْوَى لَامْتَنَعَتْ إقَامَتُهَا.

إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ عَلَى حَدٍّ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُقِيمَهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} . وَتَجُوزُ إقَامَتُهَا ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} . وَلِأَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْحَدِّ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، لَمْ تُنْكَرْ عَلَيْهِمْ شَهَادَتُهُمْ بِهِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ التَّعْرِيضُ بِالْوُقُوفِ عَنْ الشَّهَادَةِ ; بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ لِزِيَادٍ: إنِّي لَأَرَى رَجُلًا أَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِأَنَّ تَرْكَهَا أَفْضَلُ، فَلَمْ يَكُنْ بَأْسٌ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْفَضْلِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، فَقَالَ إنَّ لِي جِيرَانًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، أَفَأَرْفَعُهُمْ إلَى السُّلْطَانِ ؟ فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ {: مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.}

(7197) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ النِّسَاءِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى الشُّهُودِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهَا الْحَدُّ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْحُدُودِ، فَلَا تَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِنَّ. وَلَنَا أَنَّ الْبَكَارَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَوُجُودُهَا يَمْنَعُ مِنْ الزِّنَا ظَاهِرًا ; لِأَنَّ الزِّنَا، لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِيلَاجِ فِي الْفَرْجِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ ; لِأَنَّ الْبِكْرَ هِيَ الَّتِي لَمْ تُوطَأْ فِي قُبُلِهَا، وَإِذَا انْتَفَى الزِّنَا، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا مَجْبُوبٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ ; لِكَمَالِ عِدَّتِهِمْ، مَعَ احْتِمَالِ صِدْقِهِمْ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا ثُمَّ عَادَتْ عُذْرَتُهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُمْ غَيْرَ مُوجِبٍ لَهُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالشُّبُهَاتِ. وَيَجِبُ أَنْ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهَا مَقْبُولَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ.

فَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ بِأَنَّهَا رَتْقَاءُ، أَوْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مَجْبُوبٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ ; لِأَنَّهُ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ.

(7198) فَصْلٌ: إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمْ الزُّنَاةُ بِهَا، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ قَدْ جَرَحَهُمْ الْآخَرُونَ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَالْآخَرُونَ تَتَطَرَّقُ إلَيْهِمْ التُّهْمَةُ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ الْأَوَّلِينَ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ الْآخَرِينَ صَحِيحَةٌ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامًا مَعْنَاهُ: لَا يُحَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَدَّ الزِّنَا. وَهَلْ يُحَدُّ الْأَوَّلُونَ حَدَّ الْقَذْفِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْقَاذِفِ إذَا جَاءَ مَجِيءَ الشَّاهِدِ هَلْ يُحَدُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت