فهرس الكتاب
عِنْدَ الزَّوَالِ كِيسَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، فَتَشْهَدَ كُلُّ بَيِّنَةٍ بِأَحَدِهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَسْرِقَ كِيسًا غَدْوَةً ثُمَّ يَعُودَ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَسْرِقَهُ عَشِيًّا، وَمَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ لَا تَعَارُضَ. فَعَلَى هَذَا، إنْ ادَّعَاهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ، ثَبَتَا لَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْكِيسُ الْمَشْهُودُ بِهِ حَسْبُ ; فَإِنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِعْلَيْنِ، لَكِنَّهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ضَمَانِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْمَشْهُودُ لَهُ إلَّا أَحَدَ الْكِيسَيْنِ، ثَبَتَ لَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْآخَرُ ; لِعَدَمِ دَعْوَاهُ إيَّاهُ. وَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِسَرِقَةِ كِيسٍ فِي يَوْمٍ، وَشَهِدَ آخَرُ بِسَرِقَةِ كِيسٍ فِي يَوْمٍ آخَرَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي مَكَان، وَشَهِدَ آخَرُ بِسَرِقَةٍ فِي مَكَان آخَرَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِغَصْبِ كِيسٍ أَبِيضَ، وَشَهِدَ آخَرُ بِغَصْبِ كِيسٍ أَسْوَدَ، فَادَّعَاهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُحْكَمَ لَهُ بِهِ ; لِأَنَّهُ مَالٌ قَدْ شَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ إلَّا أَحَدَهُمَا، ثَبَتَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْآخَرُ ; لِعَدَمِ دَعْوَاهُ إيَّاهُ.
(8448) فَصْلٌ: فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي يَوْمَ الْخَمِيسِ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَتَلَهُ، أَوْ قَذَفَهُ، أَوْ غَصَبَهُ كَذَا، أَوْ أَنَّ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا، وَيَشْهَدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي بِهَذَا يَوْمَ السَّبْتِ بِحِمْصَ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمَا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَكْمُلُ شَهَادَتُهُمَا ; لِأَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ، فَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ وَاحِدٌ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ، فَكَمُلَتْ شَهَادَتُهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهِمَا وَاحِدًا، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ ; فَإِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَنَظِيرُهُ مِنْ الْإِقْرَارِ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا لَا تُقْبَلُ هَاهُنَا. وَيُحَقِّقُ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَمْعُ الشُّهُودِ لِسَمَاعِ الشَّهَادَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِطَلَبِ الشُّهُودِ فِي أَمَاكِنِهِمْ لَا فِي جَمْعِهِمْ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، فَيَمْضِي إلَيْهِمْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَأَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيُشْهِدُهُمْ عَلَى إقْرَارِهِ. وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ.
وَقَالَ الْآخَرُ أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَقَالَ الْآخَرُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ. لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ; لِأَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ، فَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ دَنَانِيرَ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ دَرَاهِمَ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ فِي الْقَتْلِ، وَالْقَذْفِ ; لِأَنَّ الْقَذْفَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْعَجَمِيَّةِ، وَالْقَتْلَ بِالْبَصْرَةِ أَوْ الْكُوفَةِ، لَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضِي، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(8449) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَ أَمْسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَ الْيَوْمَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَمْسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْيَوْمَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ. لَا تَكْمُلُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ بِالْغَصْبِ فِي وَقْتَيْنِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَجُوزُ أَنْ يُعَادَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيَكُونَ وَاحِدًا، فَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْوَقْتِ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ فِيهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْآخَرُ بِالْفَارِسِيَّةِ.