فهرس الكتاب
فَأَنْكَرَهُمَا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى اعْتِرَافِهِ ; لِأَنَّ رِقَّهُ ثَابِتٌ بِالْبَيِّنَةِ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ.
(8541) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ صَغِيرَةٌ، فَادَّعَى نِكَاحَهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَلَا يُخْلَى بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ. وَلَوْ ادَّعَى رِقَّهَا قُبِلَ مِنْهُ، إذَا كَانَتْ طِفْلَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا ; لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَأَمَّا الْمُدَّعِي لِلنِّكَاحِ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِحُرِّيَّتِهَا، أَوْ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَالْيَدُ لَا تَثْبُتُ عَلَى الْحُرِّ، فَإِذَا كَبِرَتْ فَاعْتَرَفَتْ لَهُ بِالنِّكَاحِ، قُبِلَ إقْرَارُهَا
(8542) فَصْلٌ: وَلَوْ ادَّعَى مِلْكَ عَيْنٍ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا إيَّاهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ ادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا، أَوْ أَعْتَقَهَا، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، قُضِيَ لَهُ بِهَا. بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ بَيِّنَةَ هَذَا شَهِدَتْ بِأَمْرٍ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى، وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى شَهِدَتْ بِالْأَصْلِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ، ثُمَّ صَنَعَ بِهِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى. وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَتَرَكَ دَارًا فَادَّعَى ابْنُهُ أَنَّهُ خَلَّفَهَا مِيرَاثًا، وَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا، وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ، حُكِمَ بِهَا لِلْمَرْأَةِ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي أَمْرًا زَائِدًا خَفِيَ عَلَى بَيِّنَةِ الِابْنِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالشِّرَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، بِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ مَا فِي يَدِهِ، أَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِذَلِكَ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بِالْبَيْعِ وَالْقَبْضِ، أَوْ لَمْ تَذْكُرْ الْقَبْضَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا تُزَالُ يَدُ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ مَا فِي يَدِهِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُ.
وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْبَائِعِ أَثْبَتَتْ الْمِلْكَ لَهُ، فَإِذَا أَقَامَتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ عَلَيْهِ، كَانَتْ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا إلَى الْمُشْتَرِي، فَوَجَبَ الْقَضَاءُ لَهُ بِهَا. وَلَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً، فَجَاءَ ثَالِثٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مُدَّعِيهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً، ثَبَتَ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ، وَلَيْسَ فِي شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى أَنَّهُ تَمَلَّكَهَا مُنْذُ سَنَةٍ، مَا يُبْطِلُ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ مِلْكِهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَمِلْكِهَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَإِنَّ الْمَالِكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، يَسْتَمِرُّ مِلْكُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنْ قَالَتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ: هُوَ مَالِكُهَا. ثَبَتَ الْمِلْكُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ، كَانَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ.
(8543) فَصْلٌ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِ آخَرَ، وَادَّعَى صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، فَهِيَ لِمُدَّعِي الْمِلْكِ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ وَلَا الْبَيِّنَتَيْنِ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَهِيَ فِي يَدِ الْآخَرِ. وَإِنْ ادَّعَى دَابَّةً أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً، فَوُجِدَتْ الدَّابَّةُ لَهَا أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَالْبَيِّنَةُ كَاذِبَةٌ، وَالدَّابَّةُ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ.
(8544) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْقَضَاءِ، ثَبَتَ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْأَلْفُ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَضَاهُ أَلْفًا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْأَلْفُ ; لِأَنَّ شَاهِدَ الْقَضَاءِ لَمْ يَشْهَدْ بِأَلْفٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهُ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَالشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ إلَّا صَرِيحَةً، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ أَثْبَتَتْ