فهرس الكتاب
فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالْبَيْعِ وَلَا بِالتَّنْقِيصِ الْفِرَارَ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَاسْتَأْنَفَ بِمَا اسْتَبْدَلَ بِهِ حَوْلًا، إنْ كَانَ مَحَلًّا لِلزَّكَاةِ فَإِنْ وَجَدَ بِالثَّانِي عَيْبًا، فَرَدَّهُ أَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ، اسْتَأْنَفَ أَيْضًا حَوْلًا ; لِزَوَالِ ; مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ، قَلَّ الزَّمَانُ أَوْ كَثُرَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَقَالَ: وَالْمَاشِيَةُ إذَا بِيعَتْ بِالْخِيَارِ فَلَمْ يَنْقَضِ الْخِيَارُ حَتَّى رُدَّتْ، اسْتَقْبَلَ الْبَائِعُ بِهَا حَوْلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ.
وَإِنْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى النِّصَابِ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَلَهُ الرَّدُّ، سَوَاءٌ قُلْنَا الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، أَوْ بِالذِّمَّةِ ; لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الْفُقَرَاءِ جُزْءًا مِنْهُ، بَلْ بِمَعْنَى تَعَلُّقِ حَقٍّ بِهِ، كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي، فَيَرُدُّ النِّصَابَ، وَعَلَيْهِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ مِنْ مَالٍ آخَرَ. فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْهُ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ، انْبَنَى عَلَى الْمَعِيبِ إذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ آخَرُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، هَلْ لَهُ رَدُّهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَانْبَنَى أَيْضًا عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ.
جَازَ الرَّدُّ هَاهُنَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَمَتَى رَدَّهُ فَعَلَيْهِ عِوَضُ الشَّاةِ الْمُخْرَجَةِ، تُحْسَبُ عَلَيْهِ بِالْحِصَّةِ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قِيمَتِهَا مَعَ يَمِينِهِ، إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ; لِأَنَّهَا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، فَهُوَ أَعْرَفُ بِقِيمَتِهَا، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مُدَّعَاةٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ غَارِمٌ، وَالْقَوْلُ فِي الْأُصُولِ قَوْلُ الْغَارِمِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّهُ يَغْرَمُ الثَّمَنَ، فَيَرُدُّهُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الْغَارِمَ لِثَمَنِ الشَّاةِ الْمُدَّعَاةِ هُوَ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ، فَلَهُ الرَّدُّ وَجْهًا وَاحِدًا.
(1809) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا، لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ، وَبَنَى عَلَى حَوْلِهِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ مَا انْتَقَلَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَيَصِيرَ كَالْمَغْصُوبِ، عَلَى مَا مَضَى.
(1810) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي النِّصَابِ الَّذِي وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ، بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَات، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي فَسْخُ الْبَيْعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَصِحُّ، إلَّا أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ نَقَضَ الْبَيْعَ فِي قَدْرِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا إنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فَقَدْ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنْ قُلْنَا تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، فَقَدْرُ الزَّكَاةِ مُرْتَهَنٌ بِهَا، وَبَيْعُ الرَّهْنِ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَلَنَا، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَفْهُومُهُ صِحَّةُ بَيْعِهَا إذَا بَدَا صَلَاحُهَا، وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَغَيْرُهُ. وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَبَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ. وَهُمَا مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ. وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَالْمَالُ خَالٍ عَنْهَا، فَصَحَّ بَيْعُهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنُ آدَمِيٍّ، أَوْ زَكَاةُ فِطْرٍ.
وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ، فَهُوَ تَعَلُّقٌ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ، فَلَمْ يَمْنَعْ بَيْعَ جَمِيعِهِ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ. وَقَوْلُهُمْ: بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ. لَا يَصِحُّ ; فَإِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لِلْفُقَرَاءِ فِي النِّصَابِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَدَاءَ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ الْفُقَرَاءُ مِنْ إلْزَامِهِ أَدَاءَ الزَّكَاةِ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِرَهْنٍ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الرَّهْنِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِيهِ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِي النِّصَابِ ثَمَّ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِلَّا كُلِّفَ إخْرَاجَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُلِّفَ تَحْصِيلَهَا، فَإِنْ عَجَزَ بَقِيَتْ الزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ النِّصَابِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَتُؤْخَذَ