فلما وقَفَ على هذه الأبيات، قام من مجلس القضاء، فوطِىءَ بساط الرشيد، وقال له: الله الله، ارحم شيبتي، فإني لا أصبر على القضاء، قال: لعل هذا المجنون أغراك، ثم أعفاه، فوجه إليه ابن المبارك بالصُّرّةِ وقيل: إن ابن المُبارك إنما كتب إليه بهذه الأبيات لما وَلِيَ صدقاتِ البصرة، وهو الصحيح.
وقال إبراهيم الحَربِيّ: دخل إسماعيل بن عُليّة على الأمين فروى حديث:"تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غَمامتان تُحاجّان عن صاحِبهما"فقيل له: ألهما لسانان؟ قال: نعم، فكيف تكلم، فشَنّعوا عليه أن يقول: القرآن مخلوق، وهو لم يقله، وإنما غلط. فقال للأمين: أنا تائب لله.
وقال علي بن خَشْرم: قلت لوكيع: رأيت ابن عُلَيَّة يشرب النبيذ حتى يُحْمَل على الحمار، يحتاج من يرده، فقال وكيع: إذا رأيت البَصْري يشرب النبيذ فاتَّهِمْه، وإذا رأيت الكوفي يشربه فلا تتهمه، قلت: وكيف ذلك؟ قال: الكوفي يشربه تدينًا، والبصري يتركه تدينًا. وقال المفضل بن زِياد: سألت أحمد بن حَنْبَل عن وُهيْب وابن عُليّة، قال: وُهَيب أحب إلي، وما زال ابن عُليّة وضيعًا من الكلام الذي تكلم به إلى أن مات.
قلت: أليس قد رَجَعَ وتاب على رؤوس الناس؟ قال: بلى إلى أن قال: وكان لا ينصف بحديث بالشفاعات.
وكان منصور بن سلمة الخُزَاعيّ يحدث مرة فسبقه لسانه، فقال: حدثنا إسماعيل بن عُليّة، ثم قال: لا, ولا كرامة، بل أردت زُهيرًا، ثم قال: ليس من قارف الذَّنْبَ كمن لم يُقَارِفْه، أنا والله اسْتَتَبْتُ ابن عُليّة.
قال الذَّهَبيّ: هذا من الجرح المردود، وقال عبد الصمد بن يزيد مَرْدوَيه: سمعت ابن عُليّة، يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، وذكره ابن حبان في"الثقات".
وعلية أمه وكانت امرأة عاقلة نبيلة، وكان صالح المِزِّي وغيره من وجوه أهل البصرة وفقهائها يدخلون عليها، فَتَبْرُزُ لهم، وتحادثهم، وتسألهم،