فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 777

ولم يرد في القرآن الكريم نص يدل على موت عيسى - عليه السلام - الموتة النهائية، وإنَّما الذي ورد لفظ الوفاة والتوفي في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} آل عمران: 55، وهذه ألفاظ لا ينحصر معناها في الموت، بل تحتمل معاني أخرى، ومن هذه المعاني:

أولًا: أن المراد بذلك وفاة الموت لأنه الظاهر من الآية بالنسبة إلى من لم يتأمل بقية الأدلة، ولأن ذلك قد تكرر قي القرآن بهذا المعنى [1] وعلى هذا المعنى يكون في الآية تقديم وتأخير.

القول الثاني: معناه القبض، نقل ذلك ابن جرير في تفسيره [2] عن جماعة من السلف واختاره ورجحه على ما سواه وعليه فيكون معنى الآية: إني قابضاتهما من عالم الأرض إلى عالم السماء وأنت حي ورافعك إليّ. ومن هذا المعنى قول العرب: توفيت مالي من فلان أي قبضته كله وافيًا.

القول الثالث: أن المراد بذلك وفاة النوم، لأن النوم يسمى وفاة، وقد دلت الأدلة على عدم موته - عليه السلام -، فوجب حمل الآية على وفاة النوم جمعًا بين الأدلة، ولأن النوم يصدق عليه أنه وفاة أي شبيه بها كما قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ...} الزمر: 42، أي يتوفى الأحياء في المنام بحيث تفارقهم أرواحهم فراقًا خاصًا يفقدون فيه الإحساس والصوت والحركة الاختيارية ثم تعود إليهم أرواحهم عند اليقظة، وقد ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول عند القيام من النوم: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) [3] . فعلى هذا يكون المعنى: إني متوفيك وفاة نوم بحيث لا

(1) قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} السجدة: 11، وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ} الأنفال: 50، وغيرها من الكتب.

(2) تفسير الطبري (3/ 289) .

(3) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها برقم (7394) عن حذيفة - رضي الله عنه -، وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع برقم (2711) عن البراء - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت