وقد خالف أهل السنة والجماعة في ذلك أهل الطّوائف والفرق:
فالجهمية الجبرية ومن وافقهم قالوا بالمتعلق الأول دون الثاني فأثبتوا خلق الله لأفعال العباد ونفوا قدرة العباد عليها، وسووا بين أفعالهم الاختيارية وأفعالهم الاضطرارية [1] .
والمعتزلة القدرية ومن وافقهم قالوا بالمتعلق الثاني دون الأول فنفوا خلق الله لأفعال العباد، وقالوا بأن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم، وأثبتوا قدرة العباد المطلقة على أفعالهم [2] .
ورامت الأشعرية التوسط بين الجبرية والقدرية فأحدثت نظرية الكسب، وحارت أفهامهم في تصورها، واضطربت أقوالهم في التعبير عنها [3] .
وحاصلها أن الكسب هو الاقتران العادي بين قدرة العبد الحادثة وفعله الواقع بقدرة الله وحدها [4] .
وبناء على ذلك قالوا: إنّ أفعال العباد خلق لله وكسب للعباد، وليس لقدرة العبد المخلوقة فيه أثر في فعله، ولكن الفعل يحدث عندها لا بها [5] .
والرد على الكسب الأشعري، وبيان بطلانه يطول، فأكتفي بطرف منه:
1 -أن النصوص الشرعية قد دلت على خلق الله لأفعال العباد وإثبات القدرة لهم عليها، ونسبتها لهم حقيقة، واستحقاقهم المدح والذم والثواب والعقاب وفقًا لها، وقد تقدم ذكر بعضها.
(1) ينظر: مقالات الإسلاميين (1/ 338) ، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 87) ، الفرق بين الفرق (ص 211) .
(2) ينظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد للقاضي عبد الجبار (8/ 8، 16، 43) (9/ 95) ، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 336) وما بعدها، إنقاذ البشر من الجبر والقدر لعلي بن الحسين الكاظم المرتضي ضمن رسائل العدل (1/ 256 - 305) .
(3) ينظر: أصول الدين للبغدادي (ص 133) ، الإرشاد للجويني (ص 188) ، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 97) ، القضاء والقدر للرازي (ص 77) ، غاية المرام للآمدي (ص 223) ، شرح المقاصد لمسعود التفتازاني (4/ 263) .
(4) نقله ابن القيم - رحمه الله - في شفاء العليل (1/ 368) عن بعض متأخري الأشاعرة دون تعيينه، واستحسنه في بيان قولهم وتلخيص اختلافهم.
(5) ينظر: أصول الدين للبغدادي (ص 133) ، الإرشاد (ص 188) ، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 97) ، القضاء والقدر للرازي (ص 77) ، غاية المرام (ص 223) ، شرح المقاصد (4/ 263) .