الحكمُ على الرُّواةِ جرحاً أو تعديلاً خاضعٌ لاجتهادِ أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، وكلُّ ما كانَ مرجعُهُ الاجتهادُ حصلَ فيهِ الاختلافُ، وقدِ اختلفَ أئمَّةُ الجرحِ والتَّعديلِ في بعضِ الرُّواةِ، والاختلافُ قدْ يكونُ منْ ناقدٍ واحدٍ، أو منْ ناقدينِ فأكثرَ، وللعلماءِ في تعارضِ الجرحِ والتَّعديلِ مِنْ ناقدينِ فأكثرَ (١) مذاهبُ، نُجملُهَا فيمَا يأتي، معَ التَّفصيلِ في مسألةِ التَّرجيحِ بينَ الجرحِ والتَّعديلِ مِنْ خلالِ السَّبرِ:
أولاً: يُقدَّمُ الجرحُ على التَّعديلِ: وهوَ رأيُ الجمهورِ مِنَ المحدِّثينَ والأصوليِّينَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» : «لِأَنَّ المُعَدِّلَ يُخْبِرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ، وَالجَارِحُ يُخْبِرُ عَنْ بَاطِنٍ خَفِيَ عَلَى المُعَدِّلِ» (٢) . وتقديمُ الجرحِ على التَّعديلِ ليسَ على إطلاقِهِ، وإنَّمَا يكونُ بشروطٍ (٣) .
ثانياً: يُقدَّمُ التَّعديلُ إذا كانَ عددُ المعدِّلينَ أكثرَ مِنَ المجرِّحينَ: وقدْ ردَّهُ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ» فقالَ: «وَهَذَا خَطَأٌ مِمَّنْ تَوَهَّمَهُ، لِأَنَّ المُعَدِّلِينَ لَيسُوا يُخْبِرُونَ عَنْ عَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الجَارِحُونَ» (٤) .