فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 515

وأمَّا جهابذةُ النُّقَّادِ منَ المُحدِّثينَ، فَجَمْعُهُم للأسانيدِ والمتونِ وتتبُّعُهُم للطُّرُقِ لغايةٍ ذاتِ فوائدَ جمَّةٍ وعظيمةٍ - ومدارُ بحثِنَا هذا على بيانِهَا - وذلكَ للاطِّلاعِ على صحيحِ السُّنَّةِ والثَّابِتِ مِنْهَا، وتمييزِ المقبولِ منَ المردُودِ، قالَ الأستاذُ عبدُ الفتَّاحِ أبو غدَّة (١) «ت ١٤١٧ هـ» : «إِنَّ المُحَدِّثِينَ الحُفَّاظَ المُتَوَسِّعِينَ فِي جَمْعِ الحَدِيثِ جَرَتْ عَادَتُهُمْ عَلَى سَمَاعِ مَا يُحدَّثُ بِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَا لَا يُحدَّثُ بِهِ، لِأنَّهُ يَنْفَعُ فِي وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ عُلُومِ الحَدِيثِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا وَقَرَّرُوا هَذِهِ القَاعِدَةِ، الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا الحَافِظُ ابْنُ مَعِينٍ بِقَولِهِ: «إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ، وَإِذَا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ» - أَي: عِنْدَ تَحَمُّلِ الحَدِيثِ وَتَلَقِّيهِ عَنْ شُيُوخِ الرِّوَايَةِ - يَجْمَعُونَ مِنْهُ مَا اسْتَطَاعُوا عَنْ كُلِّ شَيخٍ، وَلَكِنْ عِنْدَ تَحْدِيثِهِمْ يُفتِّشُونَ فِيمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ، فَلَا يُحدِّثُونَ إِلَّا بِالأَسَانِيدِ المتَّصِلَةِ بِالعُدُولِ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ عَنْ مِثْلِهِمْ، وَالمُتُونِ الخَالِيَةِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالعِلَّةِ، وَمَا تَبَيَّنَ لَهمْ مِنْ كَذِبٍ أَوْ وَهْمٍ أَوْ بَلَايَا لِلرُّوَاةِ فِي الأَسَانِيدِ، أَوِ الشُّذُوذِ أَوْ عِلَّةٍ فِي المُتُونِ يُمْسِكُونَ عَنِ التَّحْدِيثِ بِهَا، وَلَا يَذْكُرُونَهَا إِلَّا مَعَ البَيَانِ لِمَا فِي تِلْكَ الأَسَانِيدِ أَوِ المُتُونِ مِنْ ضَعْفٍ وَشُذُوذٍ» (٢) .

فهذهِ جُملةُ الأسبابِ الَّتي عابَ بها العلماءُ على منْ أفنَى عُمُرَهُ في جمعِ الطُّرقِ والأسانيدِ، إذَا قامَ بهَا مَنْ ليسَ مِنْ أهلهَا، وخَلَتْ مِنْ أيَّةِ فائدةٍ أو غايةٍ، وإلا فالسَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ هوَ منْ أهَمِّ وأدَّقِّ ما توَصَّلَ إليهِ المُحَدِّثونَ في كشفِ عللِ الأحاديثِ، وإبرازِ فوائدِهِ.

* * *

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت