٤ - الحُجَجُ والبَرَاهِينُ حَاضِرَةٌ عندَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ، لكنْ لا يحضُرُهُمْ التَّعبِيرُ عَنْهَا فِيمَا لَو سُئِلُوا عَنْهَا لِغَيرِ أَهْلِهَا: نجدُ أنَّ كثيراً منْ أقوالِ الأئمَّةِ في العللِ تحملُ الدليلَ والحجَّةَ والبُرهانَ، إذا كانتْ أسئلةً تدورُ بينَ جهابذَةِ هذا الفنِّ، فالتِّرمذيُّ يسألُ البُخاريَّ، وعبدُ اللهِ ابنُ أحمدَ يسألُ أباهُ، وابنُ أبي حاتمٍ يسألُ أباهُ وأبا زُرعَةَ، والبُرْذُعِيُّ يَسألُ أبَا زُرْعَةَ، والبَرْقَانِيُّ والسَّهْمِيُّ يَسْألانِ الدَّارَقُطِنِيَّ، وأُلِّفت كتبٌ في علمِ العللِ، وتعليلِ الأحاديثِ.
قالَ الأعمشُ (١) «ت ١٤٨ هـ» : «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ صَيرَفِيَّاً فِي الحَدِيثِ، كُنْتُ أَسْمَعُ مِنَ الرِّجَالِ، فَأَعْرِضُ عَلَيهِ مَا سَمِعْتُهُ» (٢) .
وَقَالَ الأوزاعِيُّ (٣) «ت ١٥٧ هـ» : «كُنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ فَنَعْرِضُهُ عَلَى أَصْحَابِنَا كَمَا نَعْرِضُ الدِّرْهَمَ الزَّائِفَ عَلَى الصَّيَارِفَةِ، فَمَا عَرَفُوا أَخَذْنَا وَمَا أَنْكَرُوا تَرَكْنَا» (٤) .
أمَّا إذَا كانَ بيانُ الحجَّةِ لغيرِ أهلِ هذَا الفنِّ، فإنَّ العبارَةَ تقِفُ عندَ ذلكَ، لجهْلِ غيرِ الأئمَّةِ بهذَا العلْمِ، لذلكَ عقَّبَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» على قولِ ابنِ مَهديٍّ «ت ١٩٨ هـ» : «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ» (٥) . فقالَ: «يَعْنِي يُعَبِّرُ بِهَا غَالِبَاً، وَإِلا فَفِي نَفْسِهِ حُجَجٌ لِلْقَبُولِ وَلِلرَّفْضِ» (٦) .