وبمرور الزمن، تطور مفهوم التعريب وأصبح له دلالات زادته تشعّبا، كما اكتسب معنى عصريًا استهدف العملَ الاصطلاحي، المتمثلَ اليوم في إيجاد مقابلات عربية للألفاظ الأجنبية، وذلك لتعميم اللغة العربية واستخدامها في كل ميادين المعرفة البشرية. وبهذه النظرة الجديدة التي قدّمت التعريبَ الفكريّ النفسيَّ على التعريب اللفظي المعروف قديمًا، يكون المفهوم قد حمل صبغةً إنسانية شاملة تُعنَى بالفرد العربي وأصالة فكرِه وشخصيتِه. وقد رافق هذا المفهوم النهضة العربية منذ مطلع القرن العشرين، حين بدأ الحديث عن تعريب التعليم وتعريب الإدارة والتعريب الفكري والاجتماعي، أي استخدام العربية في مختلف هذه المجالات وغيرها. والحقيقة أن هذا التحمُّس للعربية والعروبة قد ظهر منذ العصر الأموي الذي رأى فيه التعريب النور، حيث إن القِيَم العربية التي نقلتها اللغة العربية، سيطرتْ على التاريخ الثقافي العربي آنذاك، وكان العربي في ذلك العصر متشبعًا بلغة دينه، وكان فصيحًا طلْق اللسان، فلم يخش تعريب الكلمات الأعجمية وصَوْغَها على أوزان عربية، وإخضاعَها لقواعد لغة، صارت مقدَّسةً بقداسة القرآن. لكنّ القواعد التي وضعها فقهاء اللغة العربية لضبط هذه العملية، تُبيّن أنهم لم يقرِّروا ضرورة تعميم استخدام اللفظ الأعجمي كلّما دعت الحاجة إلى ذلك، لئلا يلحق العربية ضررٌ من الإفراط في استعمال هذه الوسيلة. لذلك، لم تدخل العربية عن طريق التعريب قديمًا إلاّ بضعُ مئات من الكلمات الأعجمية. وتجلّى قَدْرٌ من هذه الكلمات المعرَّبة في نص القرآن الكريم وذلك على الرغم من وجود نظرية تستنكر ذلك حِفظًا للكتاب من كل عُجمة. لكنّ الحديث عن وجود ألفاظ معرَّبة في القرآن دليل على رواجها وقبولها والاطلاع عليها.