ما شاء الله، ولم تكن الجزية نزلت بعد، فسبق عقد صلحهم وإقرارهم في أرض خيبر نزول الجزية، ثم أمره الله - سبحانه - أن يقاتل أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية فلم يدخل في هذا يهود خيبر إذا ذاك لأن العقد كان قديمًا بينه وبينهم على إقرارهم، وأن يكونوا عمالًا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بشيء غير ذلك، وطالب من سواهم من أهل الكتاب - ممن لم يكن بينه وبينهم عقد كعقدهم - بالجزية: كنصارى نجران ويهود اليمن وغيرهم، فلما أجلاهم عمر إلى الشام تغير ذلك العقد الذي تضمن إقرارهم في أرض خيبر وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب ..
وهكذا كان عقد الذمة لقريظة والنضير: عقدًا مشروطًا بأن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه، ومتى فعلوا فلا ذمة لهم، فكانوا أهل ذمة بلا جزية، فلما نزل فرض الجزية استؤنف ضربها على من يعقد له الذمة من أهل الكتاب والمجوس، فتبين بهذا بطلان ما ادعاه من إقرار المشركين وأهل الكتاب بلا جزية كما أقر يهود خيبر إلى أن أجلاهم عمر رضي الله عنه ..
فصل: وأما قوله"ولما نزلت آية الجزية كان فيها أن المحاربين لا يعقد لهم عهد إلا بالصغار والجزية، ومذهب الأكثرين أنه يجوز مهادنة جميع الكفار بالجزية والصغار" [1] ..
والجواب: أن ما ذكره: من الخلط والخوض في أحكام الله التي شرعها بالجهل، وليس هذا مذهبًا لأحد من أهل العلم فضلًا عن كونه مذهب الأكثرين كما زعمه، لأن المهادنة قد عقد لها أهل العلم بابًا خاصًا في كتب الفقه غير باب عقد الذمة، وذكروا أنها تجوز مهادنة جميع [101] الكفار ومسالمتهم مدة معلومة بعوض وبغير عوض عند العجز عن قتالهم، وللمصلحة المرجوة من تأخير قتالهم، ولا يجوز مطلقًا من غير تقدير مدة لأنه يُفضي إلى ترك الجهاد الواجب، وأما عقد الذمة فهو إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة،
(1) - مثل هذا الخلط بين العهد والذمة لا يمكن أن يصدر من عالم مثل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله ..