والجواب أن نقول: ليس في إنزال النبي - صلى الله عليه وسلم - بني قريظة على حكم سعد ولم يأمر بقتلهم ابتداءً ما يدل على أن الكفر لا يبيح دم الكافر لأن سعدًا على علم بحكم أمثالهم من الأسرى، فحكَم بقتل مقاتلتهم وسبي الذراري لأنهم في حكم المقدور عليهم كالأسرى الذين يخير فيهم الإمام بما يرى فيه المصلحة، فالذي أباح دمائهم: الكفر، فلو أسلموا لم يُقتَلوا لزوال المبيح لقتلهم. وقد ذكرنا فيما تقدم قول شيخ الإسلام في الصارم المسلول أن ثعلبة بن سعية وأسد بن سعية وأسد بن عبيد أسلموا في الليلة التي نزل فيها بنو قريظة على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعصم إسلامهم دمائهم، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم"لقد حكمتَ فيهم بحكم الله"، لأن قتل تلك الطائفة المعينة من الكفار كان في نفس الأمر مما أمر الله به رسولَه، فهذا الذي ذكره قول لا دليل عليه لأنه لو كان قتلهم في نفس الأمر مما أمر الله به رسوله - كما زعمه - لما ساغ مخالفته أمر الله وتحكيم سعد فيهم، بل كان يتعيّن [109] قتلهم بدون تحكيم امتثالًا لأمر الله بذلك. وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله لسعد"حكمت فيهم بحكم الله"يعني: الذي شرعه في أمثالهم من القتل أو المن أو المفاداة أو الإسترقاق.
والجواب: أن الشريعة قد أوجبت قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليه منهم، بل أباحته: فيخيّر الإمام فيه الإمام بما يرى فيه المصلحة، وليس في قصة قريظة ما يدل على أنه يتعيّن قتل بعض الكفار دون بعض لأن الكفر صفة تبيح دم الكافر ولا توجب قتله، ولو تعيّن قتله لَمَا خُيّر فيه الإمام. وليس فيها أيظًا حجة"لكون مجرّد الكفر ليس هو الموجب للقتال وإنما الموجب"