الثالث: أنه قد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم أن سبب نزول قوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} : أبناء الأنصار الذين تهوّدوا أو تنصّروا قبل الإسلام، فأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام فنزلت {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فدل هذا على أن الآية خاصة بأهل الكتاب ومن دان بدينهم ومن في معناهم كالمجوس، فإن قيل: إن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها لا يصح! قلنا: لم تقصر عليه بل هي على عمومها في الشخص الذي نزلت فيه ومن كان حاله كحاله لأن سبب نزولها في أبناء الأنصار الذين تهوّدوا أو تنصّروا، والحكم عام في عدم إكراه أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - على الإسلام إذا أدوا الجزية والتزموا أحكام الملّة، وليس فيها حجة على ترك قتال من عداهم من المشركين حتى يُسلموا.
وقوله"فالذين نقالتهم لحرابهم متى أتوا الجزية وهم صاغرون لم يجز قتالهم إذ كانوا أهل كتاب أو مجوسًا باتفاق العلماء".
وجوابه: أن حرابتهم ليست شرطًا في وجوب قتالهم، بل نقاتلهم وإن لم يحاربونا، فإذا كانوا أهل كتاب أو مجوسًا [67] فأدوا الجزية عن يد وهم صاغرون: وجب الكفّ عنهم، وإن كانوا من المشركين - عبدة الأوثان - وجب قتالهم حتى يثسلموا أو يُقتلوا ..
فصل: وأما قوله"وإن كانوا من مشركي الترك والهند ونحوهم فإن أكثر العلماء لا يجيزون قتالهم حينئذ، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وهي المنصوصة عنه صريحًا، والأخرى ما ذكره الخرقي [1] وغيره"...
والجواب: أن ترك قتال من عدى أهل الكتاب والمجوس على الإسلام مبني على القول بقبول الجزية منهم وعدمه، قال الوزير أبو المظفر بن هبيرة في إفصاحه: واختلفوا - يعني الأئمة -
(1) - في المطبوع"الحزقي"وهو خطأ مطبعي، وقد تكرر هذا الخطأ في اسم الخرقي وتم تعديله دون الإشارة إليه.