من غيرهم واجب وإن لم يبدؤونا لأن الأدلة الموجبة له تقيّد الوجوب ببدائتهم، وهذا معنى قوله للعمومات ..
فصل: ثم قال"وأما قوله {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} وهذا يحصل إذا ظهرت كلمة الإسلام وكان حكم الله ورسوله غالبًا فإنه قد صار الدين لله، ويدل على هذا إنا إذا قاتلنا أهل الكتاب فإنا نقاتلهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وهذا المقصود يحصل إذا أدوا الجزية عن يد وكانوا صاغرين"..
والجواب: أن كون الدين لله إنما يحصل إذا أسلم الكافرون والمشركون وانقادوا لطاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه والعمل بكتابه وما شرع رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعبدوا معه غيره من الأنداد والأوثان، ولا يكون حكم الله ورسوله غالبًا إلا بذلك، فإن هذا حكم الله فيهم وإلا قوتلوا على [48] ذلك لقوله تعلى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي حتى لا يكون شرك، وقتال أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية أو يُسلموا لا يدل على أنا لا نقاتل غيرهم من المشركين حتى يسلموا، ولا يجوز إقرارهم على شركهم بجزية ولا غيرها ولا يكون الدين الدين كله لله حتى يسلموا أو يُقتلوا، وأما أهل الكتاب فإنهم يُقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى البلاذري في الفتوح بإسناده عن شهاب الزهري قال: نزلَت في كفار قريش والعرب {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} وأنزلت في أهل الكتاب {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . فضرب الجزية عليهم يدل على ظهور الإسلام وعلوّه وكونهم تحت سيطرته وقهره ملتزمين لأحكامه المفروضة عليهم التي يعتقدون تحريمها: من قتل قاتلهم وقطع سارقهم ورجم زانيهم المحصن وغير ذلك من الأحكام التي يقتضيها عقد الذمة والشروط المشروطة عيهم، ولا يجوز إكراههم على الدخول في الإسلام بخلاف المشركين فلا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل .. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية -