فصل: وأما قوله"وقد ذكر في هذه أشهر السياحة فلا بد أن يذكر الحكم اذا انقضت، فقال {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (إلى قوله) فلم يبق من أولئك المشركين طائفة تقاتل البتة بل [90] قهر جميع المشركين، ولا عهد لهم، وهم من أهل القتال، فلهذا قال {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} ولم يقل: فقاتلوهم، فإنه لم يكن فيهم طائفة تقاتل، بل أمر بقتلهم حيث وجدوا وأخذهم - وهو الأسر - وحصرهم في أمكنتهم كما حصر أهل الطائف"..
والجواب: أن ما ذكره حجة عليه لا له، ولكنه لا تمييز له بين ما له مما عليه وذلك أن الله - سبحانه وتعالى - أمر رسوله بتأجيل أهل العهود المطلقة - ومن لا عهد له من المشركين - أربعة أشهر لينظروا في أمرهم: إما أن يدخلوا في الإسلام أو يذهبوا إلى حيث شاؤوا من الأرض، وأمره عند انقضاء الأربعة أشهر أن يضع السيف في من لم يسلم منهم، فقال {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} فعلّق تخلية سبيلهم بتوبتهم من الشرك وإقامتهم للصلاة وإيتاء الزكاة.
وأما قوله"فلم يبق من أولئك المشركين طائفة تقاتل، بل قهر جميع المشركين"فهذا اعتراف منه بما أنكره من أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يُكره أحدًا على الإسلام، ولم يقاتل إلا من قاتله. وأما كونه طهّر جزيرة العرب فلم يبق فيها أحد من المشركين يقاتل، فهذا لا يقتضي إلغاء حكم الآية الكريمة، ولا يكون ناسخًا لها، ولا ينفي وجوب قتال غير مشركي العرب وكفَرة أهل الكتاب، كما لا ينفي أن يحدث بعد ذلك في العرب شرك يُقاتَلون عليه، ولهذا ارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من ارتد من العرب: فمنهم من رجع إلى عبادة الأصنام، ومنهم من