قوم: هي منسوخة بقوله تعلى {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} وبقوله {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك والسدي وابن جريج، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، قالوا: لا يجوز المنّ على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء. وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمنّ عليهم فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين، وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} ، وهذا هو الأصح والإختيار لأنه عمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده.
إذا علم هذا، فلا منافاة بين الآيات التي فيها الأمر بقتال الكفار والمشركين الممتنعين - لكفرهم وشركهم - وبين آية المنّ والمفاداة في المقدور عليه من الكفار. وليس في آية المن والمفاداة حجة لكون مجرد الكفر ليس موجبًا لقتال الطائفة الممتنعة من الكفار حتى يسلموا أو يقتلوا، بل قتالهم فرض كفاية يأثم المسلمون بتركه مع القدرة. وأما إذا اعتدوا على المسلمين فقتالهم فرض عين على المعتدى عليهم ومن يليهم حتى يندفع شرهم [111] وإضرارهم بالمسلمين، وهذا قتال الدفع، والأول قتال الطلب لإعزاز دين الله، وما ظهر دين الله على الدين كله واتسعت رقعة الإسلام إلا بقتال الطّلب، والآيات التي فيها الأمر بقتال المشركين والكفار والأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلام"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"إنما تدل على قتال الطلب دون قتال الدفع، وهذا المفتري يريد أن يجعل قتال الكفار خاصًا بقتال الدفع دون قتال الطلب، عامله الله بما يستحقه أمثاله من المفترين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا ..