لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزَّمِن ونحوهم، فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالًا للمسلمين، والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن قاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [18] ، وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم"أنه رأى امرأة مقتولة - في بعض مغازيه - قد وقف عليها الناس، فقال: ما كانت هذه لتقاتل، وقال لأحدهم: الحق خالدًا فقل لا تقتلوا ذرّيّة ولا عسيفًا"، وفيها أيظا عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول"لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأة"، وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] أي أن القتل - وإن كان فيه شر وفساد - ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرّة كفره إلا على نفسه، ولهذا قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يعاقب بما لا يعاقب به الساكت، وجاء في الحديث"إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا ظهرت فلم تُنكر ضرّت العامة"، ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم يوجب قتل المقدور عليهم منهم، بل إذا أُسر الرجل في القتال أو غير القتال - مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة - فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المنّ عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء كما دل عليه الكتاب والسنة"."
فالجواب: أن الإعتداء المذكور في الآية هو ما تقدم ذكره في كلام ابن جرير من قوله {وَلاَ تَعْتَدُوا} : لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتاب والمجوس {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الذين يجاوزون حدوده فيستحلون ما حرّم الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم. وقال ابن كثير:"قوله {وَلاَ تَعْتَدُوا} أي قاتلوا في سبيل الله"