فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 124

ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي - كما قال الحسن - من المثلة والغلول [1] وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير [19] مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول"اغزوا في سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع" (رواه الإمام أحمد) . فهذا الذي ذكره المفسرون في المراد بالإعتداء المذكور في الآية، لا ما زعمه من أن الإعتداء: قتال من لم يقاتلنا من الكفار والمشركين.

وأما قوله"ويدل عليه قوله بعد هذا {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فدل على أنه لا تجوز الزيادة"!

والجواب: أن هذه إنما ذُكرت في سياق النهي عن البداءة بالقتال في الحرم، فروي عن ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} : فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل وليس لهم سلطان يقهر المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يجازي منهم أن يجازي بمثل ما أوتي إليه أو يصبر ويعفوا فهو أمثل، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وأعزّ الله سلطانه: أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم وأن لا يعدوا بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، وروي عن مجاهد {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} : فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم، ثم قال: ابن جرير: وأشبه التأويلين بما دل عليه ظاهر الآية الذي حكي عن مجاهد لأن الآيات قبلها إنما هي أمر من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفته وذلك قوله {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} والآيات بعدها، وقوله فمن اعتدى

(1) - في المطبوع: من الفلول، والصحيح ما هو مثبت من تفسير ابن كثير رحمه الله. وهذا خطأ مطبعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت