وقوله:"وإن أريد بآية السيف قوله في براءة {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} فتلك لا تناقض هذه فإن ذاك مطلق والمشرك له حال لا يجوز قتاله فيها مثل أن يكون له أمان أو عهد، كذلك إذا لم يكن من أهل القتال، وهذه الآية خاصة مقيدة، وتلك مطلقة لم يصرح فيها بقتله". فهذا الذي ذكره تلبيس وتضليل للأفهام لا يروج إلا على ضعفاء البصائر لأن كون المشرك له حال لا يجوز قتاله فيها - كالمستأمن والمعاهد ومن ليس من أهل القتال - لا يكون حجة في ترك قتال من عدى هؤلاء من المشركين وأهل الكفر لأن هؤلاء قد خصوا من عموم قوله تعالى {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} بالأدلة المخصصة كما خص من عمومها أهل الكتاب والمجوس إذا أدوا الجزية والتزموا أحكام أهل الملة، أما من عداهم فالآية على عمومها في حقه ولا يشترط التصريح فيها بقتله لأن العموم المخصص حجة فيما عدى المخصوص، ولهذا نقتل من قاتل منهم [59] ومن نقض العهد ومن امتنع من أداء الجزية والتزام أحكام الملة لزوال المانع من قتله.
فصل: وأما قوله"وأيظًا ففي السنن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا ولا صغيرًا ولا امرأة ولا تغلوا وضمّوا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (رواه أبو داود) "..
والجواب: ان حديث أنس هذا الذي [1] ذكره رواه أبو داود في سننه مختصرًا ورواه مسلم والنسائي بأتم من هذا عن بريدة بن الحصيب قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرًا على سريّة أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا ثم يقول: اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا"
(1) - في المطبوع"الذين"، وهو خطأ مطبعي.