فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 124

عليكم فاعتدوا عليه إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمر بالقتال والجهاد، والله جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة، فمعلوم بذلك أن قوله {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} مدني لا مكي إذ كان فرض قتال المشركين لم يكن وجب على المؤمنين [20] بمكة، وان قوله {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} نظير قوله {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم لأني قد جعلت الحرمات قصاص فمن استحل منكم أيها المؤمنون من المشركين حرمة في حرَمي فاستحلوا منه مثله فيه، وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيّه بقتال أهل الحرم ابتداءً في الحرم، وقوله {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} على نحو ما ذكرنا". فتبيّن بما ذكره ابن جرير أن المراد بالإعتداء المذكور في الآية: البداءة بالقتال في الحرم، وأن ذلك منسوخ، فلم يبق له في الآية حجة في أن الكفار لا يُقاتلون إلا إذا بدؤونا بالقتال."

فصل: ثم قال"وقوله بعد ذلك{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}ولم يقل"قاتلوهم"، أمر بقتل من وُجد من أهل القتال حيث وُجد وإن لم يكن من طائفة ممتنعة".

والجواب: أن كُلًّا من قوله {وَاقْتُلُوهُمْ} وقوله {وَقَاتِلُوهُمْ} فعل أمر، وهما قراءتان، فقرأ حمزة والكسائي بغير ألف: من القتل، فيكون أمرًا بالقتل، وقرأ بقية القراء بالألف من القتال فيكون أمرًا بمقدمات القتل، والأمر بمقدمات الشيء أمر به، وأيظًا فإن الضمير في قوله تعالى {وَاقْتُلُوهُمْ} عائد على الإسم الموصول المذكور في الآية التي قبلها وهي قوله {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فيكون هذا أمرًا بقتالهم وقتلهم، والمقاتلة إنما تكون مع الممتنع لا المقدور عليه: لأن المقاتلة مُفاعلة وهي تستلزم حصول القتال من الجانبين، والشريعة قد فرّقت بين المقدور عليه من الكفار والممتنع، فأوجبت قتال الممتنع ولم توجب قتل المقدور عليه بل أباحته ويكون الإمام مخيّرًا فيه - كالأسير - فما ذكره من الأمر بقتل من وُجد من أهل القتال حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت