وليدًا". وإنما لم يذكر الروايات التامة لأن فيها"قاتلوا من كفر بالله"وهذا يرد عليه قوله أن قتال الكفار سببه المقاتلة لا الكفر، وهذه طريقة أهل الأهوى يكتبون ما لهم ويكتمون ما عليهم، وحديث بريدة هذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت عادته بعث الجيوش والسرايا لقتال الكافرين والمشركين وغزوهم في بلادهم من غير تقدّم قتال منهم، وأن قتالهم لكفرهم وشركهم لا لمحاربتهم، ولهذا قال"قاتلوا من كفر بالله"ولم يقل: قاتلوا من قاتلكم وحاربوا من حاربكم، فدل هذا على أن الكفر والشرك هو العلة والسبب في قتالهم، فالحديث حجة عليه لا له."
فصل: وأما قوله"وأيظًا فقوله {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} وهذا نص عام أنا [1] لا نُكره أحدًا على الدين، فلو كان الكافر يقاتل [2] حتى يسلم لكان هذا أعظم الإكراه على الدين"..
والجواب: أن قوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} خاصة بأهل الكتاب ومن دان بدينهم كما يدل على هذا سبب نزولها، وليس فيها دلالة على المنع من قتال المشركين عبدة الأوثان وإكراههم على الإسلام، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: اختلف أهل [60] التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم الأنصار - أو في رجل منهم - كان لهم أولاد فهوّدوهم ونصّروهم فلما جاء الإسلام أرادوا إكراههم عليه فنهاهم الله عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام. ثم روى معنى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي والسدّي، وروى عن مجاهد والحسن أن أناسًا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير فلما أُجلوا أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم فنزلت. وروي عن الشعبي أن امرأة من
(1) - في المطبوع"إنا"، ولعل الصواب ما هو مثبت.
(2) - في المطبوع"يُقتل"، ولعل الصواب ما هو مثبت.