الْكَافِرِينَ وقوله تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} وقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أنا الضحوك القتّال"يعني: أنه ضحوك في وجه وليّه قتّال لهامة عدوه، وقوله {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي قاتلوا الكفار وتوكّلوا على الله واعلموا أن الله معكم إِذا اتقيتموه [1] وأطعتموه، وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى: لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك: طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانَعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلدانًا كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله وتوكل على الله فتح الله عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم. (انتهى) .
وعسى أن يكون فيما حصل لسلفنا الصالح من النصر والتمكين عبرة لملوك المسلمين وولاتهم فإنهم ما أحرزوا هذا النصر العظيم إلا بالتمسّك بالدين والعمل بكتاب ربهم وسنة نبيهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإلا فعدوّهم أقوى عدّة وأكثر عدة وأشد قوة ومع ذلك قهروهم وأذلوهم حتى صاروا تحت سيطرتهم، وهذا أوضح برهان على أن التمسك بالدين والعمل بكتاب رب العالمين وما [37] شرعه رسوله الأمين مع امتثال ما أمر الله به من إعداد القوة هو السبب الوحيد في النصر والتمكين والعز والغلبة، وفي هذا رد على ما يروّجه بعض الملحدين - من المنافقين المفسدين - من أن الدين هو الذي أوجب تأخر المسلمين، نعوذ بالله من فساد التصور وانقلاب الحقائق ورين الذنوب وعمي القلوب، فلو أن أمراء المسلمين آمنوا بهذا حق
(1) - في المطبوع"التقيتموه"وهو خطأ مطبعي، والصواب ما أثبتناه من تفسير ابن كثير رحمه الله.