أما الخديعة في المرة الثانية فكانت من الداخل، حين أصر الأخلاف على الدوران في دائرة {الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} ، [الروم: 32 [، يدافعون عن مكاسب الاستقلال وإنجازاته العظيمة، وكأنه الأصل الأصيل، والركن الركين الذي جاءت به التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، متناسين أنه من أصبح في يوم ما جزء من كل لم يكن من عقيدتنا ولا باختيارنا أو من صنعنا، ولا كنا شركاء في توليده، بقدر ما كنا مستهلكين لمنتجات سياسية غربية، أو جسر عبور للقوى المعادية. أما الذين تصدوا لهذا الواقع، وحاربوا الشرق والغرب، من النخب إياها، فهم أنفسهم الذين رفضوا حقوق الشعوب وحاربوها وقادوا الحملات المضادة، ودعموا نظم الاستبداد، وشرّعوا للقتل والسجن والتضييق والاختطاف والاغتصاب والنهب والتشريد والتهجير. لذا ما من فائدة في إدانة هؤلاء أو مقاطعتهم أو فضحهم، بعد كل التخريب والإفساد الذي أحدثوه، والدماء التي سفكوها أو تسببوا بسفكها، والظلم الذي أوقعوه بالأمة مقابل مصالحهم وأهوائهم. وبالتأكيد سيقول البعض: أن التاريخ لن يرحمهم أو يذكرهم إلا بأسوأ ما عملوا!!! ولأنهم لا يحسبون حسابا لرب أو لنبي أو لدين، ولا لأية قيمة أخلاقية أو إنسانية، أو عقل فلن يعنيهم، من قريب أو من بعيد، ما سيقول عنهم التاريخ! لكن التاريخ سيقول: أننا في المرتين استغفلنا وخدعنا، لما صفقنا لعقود طويلة بحماس لأمثال مهرجي «رأفت الهجان» و «الحدود» و «التقرير» و «كاسك يا وطن» و «غربة» و «حرب تشرين» و «الصعود إلى الهاوية» و «الرصاصة لا تزال في جيبي» و «فارس بلا جواد» ... تماما كما صفقت ذات النخب من قبل لفرنسا وبريطانيا، ومن بعد لأمريكا وروسيا وإيران.
بالمقارنة والتجربة؛ تَبيَّن أن «الماركسية» بدت أقل انغلاقا من الأيديولوجيا «القومية» ، وبما لا يقارن. ورغم أن الأيديولوجيتان المارقتان انزوتا، وسقطت الماركسية في الحضيض، وتخلى عنها الغالبية الساحقة من معتنقيها، إلا أن الغالبية الساحقة من القوميين العرب، ومعهم بقايا اليسار، والمستنصرين بالرأسمالية و الناتو، أصروا على دوغمائية لا نظير لها. فمهما جادلتهم أو آتيتهم من بينات عقدية وشرعية وحتى موضوعية وواقعية إلا أنهم يأبون مجرد الاستماع إلا وأصابعهم في آذانهم. وكأن الله، عز وجل، قد ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، حتى باتوا لا يبصرون هدى، ولا يسمعون حقا، ولا يفقهون قولا، ولا يعقلون أمرا، ولا يهتدون سبيلا. ويبدو أن بعض القوى الإسلامية التاريخية، بما فيها الفلسطينية، ستحسم موقفها، وستتحمل وزر خطاياها المدمرة، وستعلن رسميا، وعلى الملأ، سحب الغطاء عن الصفوية الجديدة وكل أدواتها، وتجريدها من غطاء المقاومة والممانعة. لكن فقط؛ بعد أن تطويها الأحداث، وتبيت في طي السجلات في الكتب، مجرد قوى بلهاء، إنْ لم تُرمى بالعمالة والخيانة!!! لذا لن يكون عجيبا أن يكون هضم العرب أسهل من غيرهم عند الإيرانيين [1] .
«الهضم» ! هو ما ينتظر كل العالم الإسلامي من إيران، التي بات رموز النظام الدولي، خاصة الأمريكيين والروس، يتنافسون على التحالف معها. ومن سخرية الأقدار أنه في الوقت الذي غدا فيه الإيرانيون يفاضلون في
(1) في أعقاب «مؤتمر العلاقات العربية التركية» الذي نظمه «منتدى المفكرين المسلمين» في الكويت (9 - 11/ 1/2010) ، كان ثمة لقاء خاص جمعني مع د. عبدالله النفيسي، بمعية بعض العلماء والمثقفين، وفي خضم الحديث عن إيران، قال بأنه سأل أحد المسؤولين الإيرانيين: لماذا تتطلعون إلى العالم العربي؟ فأجاب المسؤول الإيراني: لأن هضمكم أسهل!