فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 147

ما يجري هو توضيع لـ «مربط فارسي» على غرار «المربط اليهودي» ، وليس فتنة طائفية. ولا شك أن شواهد التاريخ ومدوناته أولى بالتوصيف، وأبلغ بالبيان والفهم. فلم يكن الصراع مع «الإمامية» في بعثها الفارسي المستمر، ليمر عبر مصطلح «الفتنة بين طائفتين» ! فهذا لم يثبت في كافة المصنفات التاريخية. ولم يسبق أن وصَّف المؤرخون المسلمون أمة الإسلام بأنها طائفة. كما أنهم لم يوصِّفوا قط الصراع مع دول وجماعات الرافضة كذلك. أما فتنة «الخوارج» والصراع على السلطة، فتلك بنص القرآن الكريم [1] تتعلق بـ «طائفتين من المؤمنين» لا شأن لـ «الرافضة» بها إلا كأوزاغ الفتنة بين المؤمنين، كابن سبأ و «السبئية» . بل أن الثابت تاريخيا، في التوصيفات الشائعة بحق «الإمامية» ودولها وجماعاتها، أن المؤرخين والعلماء استعملوا فيها مصطلحات كـ «الشعوبية، الحشوية، السفلة، الفِرَق، الرافضة، الزنادقة، المارقين، أهل البدع .. الباطنية ... » إلخ بخلاف توصيفات بعض نخب اليوم، المدعومة بترويج إعلامي دولي، ممن يتحدثون عن وقائع «فتنة» ذات محتوى «طائفي» بين «السنة» و «الشيعة» ! وتبعا لذلك يجري توصيف الصراعات الدامية في سوريا واليمن والعراق على أنها صراعات طائفية، رغم أن بعض التوصيفات الغربية، وحتى «اليهودية» ، تتحدث صراحة عن صراع سياسي بغلاف طائفي. ومن زاوية أخرى، فحتى «الرافضة» لا يقبلون التوصيف الطائفي. كونهم يعتبرون أنفسهم يمثلون «الإسلام الصحيح» ! في حين أنهم طائفة لا تتجاوز 7% من إجمالي المسلمين المقدر عددهم في العالم بنحو 1.7 مليار إنسان.

منذ قرر النظام الدولي التخلي عن الشاه بدأ يعد العدة لبناء «المربط الصفوي» ، بذات الخديعة التي بنت فيها بريطانيا «المربط اليهودي» في بيت المقدس، وفرنسا «المربط النصيري» . فبعد توقف الحرب مع إيران (28/ 5/1988) ، بدأت الموجة الهجومية الثانية على العالم الإسلامي، إثر موجة «سايكس - بيكو» . وعن سبق إصرار، استقر الرأي الأمريكي على تدمير العراق، الذي ورطوه بغزو الكويت في 2/ 8/1991، وهو ما كشفته السفيرة الأمريكية المتجولة، إيلان غلاسبي، خلال جلسة استجواب لها أمام الكونغرس الأمريكي، أثناء الحرب، اتهمت فيه بالكذب وإخفاء المعلومات. فهي التي تم تعيينها، بعد انتهاء الحرب مع إيران، برتبة سفيرة متجولة فوق العادة. وهو ما يعني أن الولايات المتحدة في أقصى حالات الاستنفار السياسي والدبلوماسي. وتبعا لذلك شرعت غلاسبي في زيارة كافة الدول العربية بما فيها العراق. وهناك اشتكى العراقيون خلال الاجتماع الذي عقد قبل أسبوع من اجتياح الكويت (25/ 7/1990) ، مما اعتبروه تعنتا كويتيا في رد «الحقوق» العراقية فيما يتعلق بإجمالي السياسة النفطية، وبتشغيل الكويت لحقل الرميلة النفطي طوال سنوات الحرب. فما كان من غلاسبي إلا أن اعتبرت الشكوى مشكلة ثنائية. وهو تقييم يعني في المحصلة ضوءً أخضرا للعراق بأن يحل مشكلته مع الكويت بالطريقة التي يراها مناسبة. وهو ما حصل وأدى إلى الوقوع في الفخ. لكن الأمريكيين أخضعوا العراق لحصار خانق لأكثر من عشر سنوات، وأظهروا إصرارا عنيدا على إسقاطه، وهو ما حصل في ربيع العام 2003، لينتهي الأمر بتسليمه إلى إيران.

(1) قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ... } ، (الحجرات: 9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت