لا ريب أن النظام الدولي نجح في فرض الهيمنة على العالم الإسلامي، لكنه يبقى عاجزا عن اختراقه من الداخل بذات القدر الذي يمكن أن تفعله فارس المجوسية. فالأمر بكل بساطة أن ملل الكفر الصريحة مكشوفة عقديا بخلاف قوى الرفض، المستوطنة فيه ديمغرافيا، والمجاورة ثقافيا وحضاريا له. وفي المحصلة؛ إذا كان الغرب قد نجح طويلا في الاستثمار بالطائفة «النصيرية» ، فإنه، وفق كل المعايير، تبقى إيران «الرافضية» و «الصفوية» ، كـ «النصيرية» و «اليهودية» ، أنجع وأجدى في الاختراق من «علمانية» الشاه. وقد أثبتت المراهنة الدولية، وواقع الحال خلال الـ 35 سنة الماضية، أن «ولاية الفقيه» نجحت في أطروحاتها الأيديولوجية، ذات المحتوى العقدي، من حيث خسر الشاه.
وبقليل من المقارنة مع أطروحة «النصيرية» وما اضطلعت به من وظائف أمنية دولية، لا يبدو أن إيران بعيدة عنها، إنْ لم تكن في صلب الأطروحة عقديا ودستوريا وسياسيا. ففي كانت بريطانيا مشغولة بزراعة «اليهودية» في بيت المقدس، كانت فرنسا تؤهل «النصيرية» للاستيلاء على سوريا. ولم يكن لهذا التأهيل من هدف إلا احتواء كافة حركات التحرر والتمرد، الإسلامية والوطنية، التي كان من الطبيعي أن تظهر، ردا على تقسيم العالم الإسلامي، وهدم الخلافة، وإقامة الدولة اليهودية. بل أن سوريا «النصيرية» غدت مسؤولة أمنيا عن أية قوى تحررية محلية أو دولية، تتواجد في المنطقة أو تمر عبر سوريا. وهو الأمر الذي جعل من كافة هذه الحركات موضع رقابة دولية أمنية صارمة، بدت مخرجاتها في الفشل الذريع لكل هذه الحركات التي كانت مكشوفة الظهر للنظام الأمني الدولي، وبالاسم، منذ لحظة ولادتها. حدث هذا طوال عشرات العقود تحت مسميات أيديولوجية راديكالية من نوع «سوريا الأحرار» و «سوريا الثورة» و «سوريا الصمود والتصدي» وأخيرا «سوريا المقاومة والممانعة» . فهل اختلف «غطاء الولي الفقيه» ومشايخه عن «الغطاء النصيري» ؟
لم يختلف أبدا بقدر ما اتخذ من الإسلام غطاء له. وبالتأكيد لم يكن «غطاء الولي الفقيه» مفارقة بقدر ما عكس صعود القوى الإسلامية في المنطقة. بل أن عقيدة «الولي الفقيه» والمراجع الشيعية جرى ترجمتها في الدستور الإيراني الذي يتحدث بالنص في مقدماته عن «تصدير الثورة» و «نصرة المستضعفين» و «حكومة المستضعفين في الأرض» و «المحرومين» و «المضطهدين» ، في مقابل «المستكبرين» [1] . بل أن الأمر واقع في صلب «كافة حركات التحرر في العالم» ! وبالتالي لم يكن من المصادفات أن «تستثمر» جمهورية «ولاية الفقيه» في التحالف مع القوى الراديكالية «في أية نقطة من العالم» ، لاسيما الفلسطينية والعربية منها، ومع النشطاء والمثقفين والقوى السياسية والاجتماعية وأصحاب الأيديولوجيات المناهضة للنظم وأمثالهم. ولا ريب أن هذه التحالفات واقعة
(1) مثلا كما ورد في المادة 154 من الفصل العاشر، قسم السياسة الخارجية، إذ يقول: «تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله قضية مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل حقًا لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم، وفي الوقت نفسه لا تتدخل في الشئون الداخلية للشعوب الأخرى» .