الأنوثة وخلاعة الأغراء ووجهتهما عليه جميعًا كالتيار الدافق، فلم يُلق إليها بالًا. . . ولما غلبها بأسه غلبها يأسها، فشاهت في وجهها الحياة
لكن الإعجاب الذي مال بكل منهما إلى الآخر، والذي تنضح به غريزة كامنة في أعماقنا جميعًا - غريزة تلك الميول المستعدة لأن تصبح حبًا جارفًا عندما تقاوم - هذا الإعجاب جعلهما أوثق اتصالًا كلما حاولا الانفصال. فأخذ الرجل يسائل نفسه: ما علة هذا الجفاء، وكيف يؤمن بالسيدة سرمزل مع أن الملأ طرًا قد وصموها بأن الحقد يفري كبدها من سعادة السعداء؛ وتملكه الريب فيما ألقت إليه. . . لكن الكلام كان كالسهم قد نفذ فاستقر في أعماقه. . . وإذن فليس يمكن أن يعلق فؤاده بغرام جاسوسة. . . وشرع يزين لنفسه أشياء ويقبح أشياء. . . وأخذ يقول لنفسه ما يقوله كل ريفي هبط حديثًا إلى العاصمة: (لا، لا يمكن أن تستغفلني باريس!) . بلى: فمنأين لها هذه الفراء الفارهة، وهذه اليواقيت، وكل تلك الأعلاق! وراح يحقق أثمان ما يقتنيه الحسان من نفائس ومجوهرات؛ فلما أدركه التعب أخذ يقول لنفسه: (أو لست أنا الذي أصبحت جاسوسًا؟!)
وغدا المسكين نهبًا مقسما بين الشك والقلق المساور، وغاض من كيانه معين الشباب ومرح الفتوة اللذان إذا أحدقا بغانية سدا في وجهها الأفق ولم يتركا لها منهما منفذا إلا كما تترك خروق (الشبكة) الضيقة للفراش الرشيق
أما هي فقد ذهبت جهودها كلها بددا، فعكفت على قلبها تتسمع خفقاته وتستعذب فيه لذع الحريق
وذات يوم سمعته يخبر الأصدقاء بأنه مسافر، فلم تتمالك نفسها وسألته: إلى أين؟ فأجابها بتحفظ: (عندي)
-أين عندك؟
-في جكس
-قريبًا من جنيف؟ فأجابها في سخرية لاذعة:
-هنيئًا للجغرافيا بكعبك العالي يا مدام!. وأنت إلى أين؟ قالت إنني لم أعتزم أمرا. . وهذا يتوقف عندي على أشياء كثيرة
فكرّ على عقبيه ورجع يقول لنفسه: أشياء كثيرة! طبعا. . طبعا! ومن يدري فهي