وعودوا إذا نامت أراقم شعره ... وولوا إذا دبت إليكم عقاربه
ولا تذكروا الأشباح بالله عنده ... فلو أتلف الأرواح من ذا يطالبه
أراه بعيني والدموع تكاتبه ... ويحجب عني والفؤاد يراقبه
فهل حاجة تدني الحبيب لصبه ... سوى زفرة تثنى الحشا وتجاذبه
فلا أنا ممن يتقيه حبيبه ... ولا أنا ممن بالصدود يعاتبه
ولو أن طرفي أرسل الدمع مرة ... سفيرًا لقلبي ما توالت كتائبه
وكان كثيرًا ما يتغنى بها، فطرب الباشا طربًا شديدًا، واستظرف قائل الأبيات وتمنى رؤيته، فأرسلوا له بالحضور. فلما حضر إلى طندتا، وواجهه استقبح صورته، إلا أنه أعجبه ظرفه وأدبه ومال إليه، فاتخذه نديمًا لا يمل، ورفيقًا حيث حل. فلما استقرت به النوى وملأ يده من الباشا، استعداه على أبي سعدة الذي كان يقرئ أطفاله، وادعى أنه أخر له ثلاثين دينارًا من أجرة التعليم، فأمر الباشا بأشخاصه إلى طندتا، وألزمه أن يدفع للمترجم مائة جنية، فدفعها عن يد وهو صاغر. وكان مجلس شاهين باشا محط رجال الأدباء ومنتجع الشعراء والندماء، لا يخلو من مطارحات أدبية ومساجلات شعرية، وللمترجم بينهم المقام الأعلى والقدح المعلى. وحسبك ما وقع له من طائفة (الأدباتية) وهم مشهورون بالقطر المصري يستجدون الناس في الطريق بإنشاد الأزجال والضرب على الطبل، وأغلب أزجالهم مرتجلة في مقتضى الحال. فكان للمترجم معهم يوم مشهود ذكره في مجلة الأستاذ
ثم اتصل المترجم بالبيك التتونجي فجعله وكيلا على ضياعه، وما زال حتى لحق بالإسكندرية مسقط رأسه ومنبت غرسه، وكان منه ما سنقصه عليك
تلك خلاصة ترجمته في أول أمره ومبتدأ خبره، وكان القطر المصري في تلك الأثناء في اضطراب وهرج ومرج من اختلال الأحوال وفساد الحكام واعتلاء الإفرنج على الأهلين، وقد سئم الناس حكم إسماعيل باشا وتمنوا زوال دولته، فلما وفد المترجم على الثغر رأى لفيفًا من الشبان ألفوا جمعية سموها (بمصر الفتاة) يتآمرون فيها سرًا خوفًا من بطش الخديو، فعرف منهم البعض، واشتغل بالكتابة في صحب الأخبار، فأعجب الكتاب بمقالاته، واقتدوا به في تحسين الإنشاء، وكان سقيما منحطًا في ذلك العهد. ثم سعى مع جمع من