هذه التفرقة، ومكن لفرنسا أن تعمل ما تشاء هي وإنجلترا. فلو كان الشمل جميعًا، والقلوب متحدة، والقوى متضافرة، والموارد متجمعة، لكان الشأن غير ما ترى اليوم، ولكن قاتل الله الرق والاستعمار!
كان هذا الحديث قبل أن تنهار فرنسا، وتبتلي بالمحن الشداد، وتسقى كأس الذل حتى الثمالة، وتنتهك حرماتها.
وقلنا لعله درس يعلمها كيف يتألم سليب الحرية، وكيف يتململ تململ الذبيح تحت مدية الجزار، وكيف يتأوه المظلوم والمحروم، ويصعد الزفرات والحسرات، وقد سدت دونه السبل، وأشرعت فوق رأسه حرب الغاصبين.
وشاء الله أن تعتنق على يد الحلفاء، ولم تكد تتنسم نسمة واحدة الحرية حتى أخذت تتطلع إلى أن تسرق غيرها، وتبسط سلطانها على سواها من الأمم التي وفت لها وهي مثخنة الجراح فلم يطعنها من الخلف؛ مع أن فرنسا لا تزال بعد دامية الجراح، مفككة الأوصال، تهددها المجاعة بالموت. كنا نظن، وقد ذاقت فرنسا مرارة الذل والاستعباد، أنها ستقدر نزعات الحرية عند غيرها من الشعوب، وكنا نظن، وقد اعترفت الدول الكبرى باستقلال سوريا ولبنان أن لم يعد ثمة مجال للمساومة في الرق بأي صورة كانت: انتدابًا، أو استغلالًا، أو امتيازًا.
وكنا نظن، وأوربا بأسرها كانت تقاتل حتى أمس القريب في سبيل الحرية، والمبادئ الديمقراطية، أننا مقبلون على عهد جديد، يكرم فيه الإنسان أينما كان، وتمحى فيه السيادات، ويعيش الناس سواسية متحابين بعد هذه المحنة القاسية، والحرب الشنعاء. وإلا ففيم كانت هذه الدماء المراقة، والدعاوى العريضة، والبلاد المخربة، والإنسانية المنكوبة؟!
يا عجبًا! تلجأ فرنسا التي كانت تئن بالأمس تحت سياط الجلاد، إلى تلك السياط التي تسلطها على شعوب تأنف في شمم وكبرياء أن تدين بعد اليوم لأمة بالطاعة والعبودية. أتضرب دمشق بالمدافع والطائرات الفرنسية، لأن أهلها يرفضون وصاية وانتدابًا فرض عليهم قسرًا، ولأنهم يرون أنفسهم ومن ورائهم ماضيهم وبين أيديهم حاضرهم، أكثر رشدًا، وأقوم خلقًا، وأوفى عهدًا، وأشد جلدًا من هذه الأمم التي تفرض نفسها على غيرها، وتسم غيرها بالقصور، وهي في أمس الحاجة إلى مرشد حكيم يجنبها مواطن الزلل، ويعرفها أن