لأن ألوانها البديعة تحمل النفس إلى ما لا أدري من أودية الأحلام والخيال. وعلى ذلك فكل رسم وكل ألوان منسجمة تؤدي معنى بحيث لا يصبح لها جمال بدونه. . . وهنا قاطعته قائلًا:
(ولكن ألا تخشى الحط من قيمة الصنعة في الفن؟)
ومن يقول لك باحتقارها أو بالإقلال من شأنها؟ ليست الصنعة إلا وسيلة. ولن يبلغ الفنان الذي يهملها غايته التي هي التعبير عن الشعور والأفكار. ويكون مثل هذا الفنان مثل السائس الذي نسي أن يعلف جواده الشعير
ومما لا مشاحة فيه أنه إذا كان الرسم ضعيفًا ركيكًا واللون مزيفًا مسيخًا، فلا يمكن والحالة هذه أن تجد أقوى العواطف سبيلًا إلى الظهور والإفصاح. قد يبعث التشريح الخاطئ على الضحك على حين يرغب الفنان أن يكون جد مؤثر. ويرتكب اليوم كثير من أحداث الفنانين هذا العيب الشائن، ويخونهم ضعفهم وقصورهم في كل مناسبة لأنهم لم يدرسوا الدرس الكافي. قد تكون مقاصدهم سليمة، ونياتهم حسنة، ولكن ذراعًا قصيرة قصرًا ظاهرًا، أو ساقًا غير مستقيمة، أو منظورًا مختلًا مشوهًا - كل ذلك من شأنه أن يجعل الرائي يصد عن رؤيتها ويشيح بوجهه عنها.
وقصارى القول لا يمكن أن يغني إلهام مفاجئ عن العمل الطويل الذي لا غنية عنه لإكساب العين القدرة على الإلمام التام بالشكل والنسبة، ولجعل اليد تنصاع لأوامر الشعور وتجري مجراه
وعندما أقول بأن الصنعة يجب أن تتناسى فلا أعني أو يدور بخلدي قط أن الفنان يستطيع أن يزاول عمله من غير إلمام بالعلم، وأرى على النقيض من ذلك أن لا غنى له عن طريقة شاملة يخفي تحتها ما يبطن ويعلم. ولا غرو فإن أبرع رجال العالم في نظر السوق الجاهل هم بعض المشعوذين الذين يرسمون بضعة خطوط شاذة، أو يأتون بألوان شبيهة بالألعاب النارية المدهشة، أو هم الذين يكتبون جملًا طويلة منمقة حشوها الغريب من الألفاظ. ولكن الصعوبة كل الصعوبة، وأساس الفن الصحيح هو أن ترسم أو تصور أو تكتب بسهولة وبساطة.
إنك لتشاهد صورة أو تقرأ صحيفة فلا يستوقفك الرسم أو اللون أو الأسلوب، ولكنك تشعر