بي
ثم ننتهي إلى البناء العظيم، فتستقبلُنا طائفةٌ أخرى، ويُدخلون الشيخ وأنا خلفهن ويمرون بنا على دنيا مخبوءةٍ تعجز الوصف مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت؛ فيقولون: هذه كنوزُ سليمان وذخائره، ويطوفون بالشيخ يعرضونها عليه كنزاُ كنزًا؛ فرأينا ثم نعيما ومُلكا كبيرًا، ثم انتهينا أخيرًا إلى مغارة خسيفة كأنها عرقٌ من عروق جسم الأرض، يتفجر منها دويٌ كالرعد القاصف إلا أنه في السمع كخوار الثور، إلا أنه ثورٌ خُيلَ إلى أن رأسه في قدر جبل عظيم، يتعلق به غبغب في قد جبلٍ آخر، على جسم يسدُ الخافقين، فخواره كأنه صراخ الأرض، وإذا أنا بأقبح مكان منظرًا، وأنتنه ريحًا، كأنه سجنٌ بناؤه من الجِيَف
فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا سجنُ إبليس، وهو هنا في هذه المغارة منذ زمن سليمان عليه السلام
قلت: أفمسجونٌ هو؟
قالوا: وإنه مع ذلك مُوقرٌ بأمثال الجبال حديدًا يربُضُ به في محبسه، فلا يتزحزح ولا يتحلحل
قلت: وإنه مع ذلك قد ملأ الدنيا فسادًا، فكيف به لو كان طليقًا؟
قالوا: فلو أنه كان طليقًا لاستحوذ على الناس كافة فيجتمع أهلً الأرض على شهوةٍ واحدة لا شيء غيرُها، فيبطلُ مع هذه الشهوة الواحدة كلّ تدبير بينهم، فلا تقومُ لهم سياسة ولا يكون بينهم وازع، فيرجعون كالكلاب أصابها الكَلَبُ وهاج بها، فأنيابها في لحمها، لا يزالَ يَعضُّ بعُضها بعضًا، فليس لجميعها إلا عملُ واحدٌ يسلمها إلى الهلاك، ويصبح ظهرُ الأرض أعْرى من سَراة أديم
وإنما يَلُحُ الناسُ باختلاف شهواتهم وتنافرها وتنازعها؛ فبعضها يحكم بعضًا، وشيء منها يَزَعُ شيئًا، ومن تخلص من نَزوَةٍ قمع بها نزوة أخرى، كالمتزوج المحْصَنِ، يحكم بالجلد والرجم على من ليست له امرأةٌ فزنا؛ وكالغني الواجد، يحكم على اللص الذي لم يجد فسرق، وهلم جرًا. وما ينشأ الناسُ في ثلاثة أعمار فيشبون ويكتهلون ويهرمون، إلا لتختلف شهواتهم وتختلف مقادير الرغبة فيها، فتتحقق من ثم تلك الحكمة الإلهية في التدبير، ويجد الشرعُ محله بينهم، كما يجدُ العصيان بينهم محله