ملتجئًا فلم يرض أن يسلم اللاجئ إلى بيته، ولم يجرؤ أحد على دخول منزلة عنوة خوفًا من أن يكون في ذلك جرح لكرامة زعيم الشعب.
وقد زاد نفوذ العلماء في أيام هذا الاضطراب وعلا صوتهم فأصبح مسموعًا دويًا في الحوادث الكبرى، كما أصبح مسموعًا داويًا في الديوان الذي كان ينعقد بالقلعة لحكم البلاد، وكان فيه الأمراء والرؤساء وأكابر العلماء يمثلون الشعب. وأصبح صوت العلماء في ذلك الديوان يمثل المعارضة وينادي بما فيه نفع لمصر وما فيه مصلحة أبناء مصر.
ثم أرسلت تركيا جيشًا بقيادة القبطان حسن باشا لتأديب الطاغيتين مراد وإبراهيم على سوء حكمهما فخرج العلماء على رأس وفد لمقابلة القائد التركي ليذكره بضرورة الاحتراس والاحتياط في حربه الأمراء حتى لا يؤذي مصالح الناس ولا يضحي بأموالهم. قال الجبتي يصف ذلك: (فتعين لذلك الشيخ أحمد العروسي والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد الحريري، ومن الأجاقلية إسماعيل أفندي الخلوتي وإبراهيم أغا الورداني وذهب صحبتهم سليمان بك الشابوري. . . . . . . . . على أنهم يجتمعون به(بالباشا القائد) ويكلمونه ويسألونه عن مراده ومقصده ويذكرون له امتثالهم وطاعتهم. . . ويذكرونه حال الرعية وما توجبه الفتن من الضرر والتلف).
وقد بلغ من ذعر ابراهيم ومراد وخوفهما من حركة الشعب أن جعلوا في ذلك الوقت يتملقون المشايخ خوفًا منهم أن ينتهزوا الفرص فيثيروا على حكمهم ثورة عندما تقبل جنود الدولة العلية من الشمال. قال الجبرتي: (فذهب إبراهيم(في عيد الفطر) إلى الشيخ البكري ثم إلى الشيخ العروسي والشيخ الدردير وصار يحكي لهم وتصاغر في نفسه جدًا وأوصاهم على المحافظة وكف الرعية من أمر يحدثونه أو قومة أو حركة في مثل هذا الوقت فإنه كان يخاف ذلك جدًا).
وقد كسب العلماء للمصريين حقًا جليلًا في أثناء هذه الحوادث فإنه بفضل سعيهم أصدر القائد التركي حسن باشا عندما دخل مصر قانونًا كان يقضي بأن أهل مصر لا يمس أحد منهم إلا بمقتضى القانون الشرعي وأن لا سبيل على أحد منهم إلا بمقتضى ذلك القانون وحده. ثم لم يتردد العلماء بعد ذلك في الوقوف إلى جانب القانون ولو كان وقوفهم في وجه الباشا القائد المنتصر نفسه. فانه عقب انتصاره أحب أن ينكل بالمنهزمين من الأمراء