وأمّا موسى ـ عليهِ السّلام ـ فقد كانَ من إعانةِ الله له أن خلّصهُ ونجّاهُ من القومِ الظّالمين، واعتُبِرَ هذا التخليص نصرًا من الله له. واقرأ ـ إن شئتَ ـ قوله ـ تعالى ـ: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 77] . ألا فلنَفْقَه حقيقةَ النّصر الربَّاني، وشمولَه، وأسبابه الحقيقيّة، وإيّانا والتخاذُل عن البذلِ والعطاء، وأن يكونَ قُصارى ما نملكه هو التنادي بالصبرِ فقط، وأن نقعد منتظرينَ ذاكَ القائد الربَّانيَّ الذي يبعثهُ الله في نهاية الزمن، فيملأ الأرضَ عدلًا كما مُلئت جَورًا وظُلمًا، أو نُقلّب وجوهنا في السّماء نترقّب نزول النبيِّ المُبارك عيسى ـ عليهِ السّلام ـ ليقتُلَ اليهود ويضعَ الجزية ويقضي على الخنزير ويكسر الصليب.
إنَّ تحقيقَ النّصرِ مشروعُ أمّة، وإنَّه مُفتقِرٌ إلى جدٍّ وصدقٍ وهمّة.
ولنَعِ أنَّ أساسَ الداء فينا، وبدايةَ العِلاج منّا، وتلكَ قاعدةٌ قرّرها الله ـ تعالى ـ في سورة الرّعد وسورة الأنفال، فقالَ في الأولى: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11] . وقالَ في الثّانية: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] .
فإلى المُراجَعةِ والتصحيحِ الشّامل، وإلى التوبةِ النّصوح، والعملِ المُتكامل.
وليعلمِ الجميع أنَّ على كُلّ فردٍ قدرًا من المسؤوليّة، وأنَّ لهُ دورًا ينبغي أن يبحثَ عنه ويقومَ به. ولنُدرك كذلك أنَّ السّاحةَ تَسَعُ كلَّ صادقٍ يُريدُ العمل، وتتضمّن كلّ مُشمِّرٍ طَرَدَ عن نفسهِ الخمولَ والكسل.
فليَعُدِ الشّارِدُ إلى ربّه، وليرجعِ العاقُّ إلى برِّه.
وليُطهّر الحسودُ قلبَه، وليُنمِّ المُحبُّ الصادِقُ حبّه.