وأما مشاركته لهم في الجهاد: فقد خرج في (19) غزوة (6) ، بل قال عن نفسه: (ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية) (7) .
وهي مشاركة لا تلغي دورهم وتحولهم إلى مجرد آلات صماء، بل هي تدفع للتوازن بين هذا وبين تعويدهم على العمل والمشاركة.
إن مجرد إصدار الأوامر والتوجيه أمر يجيده الجميع، لكن الدخول مع الناس في الميدان ومشاركتهم يرفع قيمة المربي لديهم ويعلي شأنه ويشعرون أنه واحد منهم، وذلك أيضًا يدفعهم لمزيد من البذل والهمة والحماس عكس أولئك الذين يدعون للعمل ويربيهم بعيدٌ عنهم، وقد عبر عن هذا المعنى ذاك الحداء الذي كان يردده أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-:
لئن قعدنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- يعمل لذاك منا العمل المضلل
ثم إنه يشيع روح الود والإخاء، ويسهم في بناء علاقة إنسانية وطيدة بين المربي ومن يربيهم.
4-التربية بالأحداث:
من السهل أن نحدث الناس كثيرًا عن معاني عدة، وأن ننظر لجوانب متعددة، لكن ذلك وإن أتّر فإن أثره يبقى باهتًا محدودًا.
أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فمع توجيهه لأصحابه في كل موطن، إلا أن تربيته كانت تتم من خلال الأحداث، فكان يضع الناس في الموقع والميدان ويأتي التوجيه حينها.
يشكو إليه الحالَ أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وهما في الغار، فيقول: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) .
ويسأله رجل في الميدان والمعركة: أرأيت إن قتلت؟ فيجيبه إجابة تصل إلى شغاف قلبه فيتقدم حتى يستشهد؛ فعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: (في الجنة ) ) فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) (8) .