ويوصي عليًا ـ رضي الله عنه ـ بالدعوة ويذكِّره بفضلها وذلك؟ حين بعثه داعيًا إلى الله مجاهدًا في سبيله. عن سهيل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح على يديه يحب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ويحبه الله ورسوله) فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجوه، فقال: (أين علي؟) فقيل يشتكي عينيه، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم) (9) .
أترى أن تلك التوجيهات لو تلقاها أصحابها وهم جالسون قاعدون في بيوتهم ستترك أثرها؟ إن مثل هذه التربية هي التي خرّجت الجيل الجاد العملي، الذي لم يتربّ على مجرد التوجيه الجاف البارد، إنما كان يعيش العلم والعمل معًا.
5-الاختيار والاصطفاء:
إن التربية كما أنها موجهة لكل أفراد الأمة أجمع مهما كان شأنهم، والدين خطاب للجميع صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً.
إلا أن الدعوة تحتاج لمن يحملها ولمن يقوم بأعبائها، إنها تحتاج لفئة خاصة تُختار بعناية وتُربى بعناية.
لذا كان هذا الأمر بارزًا في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتربيته لأصحابه؛ فثمة مواقف عدة في السيرة يتكرر فيها ذكر كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى رأسهم أبو بكر وعمر؛ مما يوحي أن هؤلاء كانوا يتلقون إعدادًا وتربية أخص من غيرهم.