إنما الذي يخافُه الإسلام على المسلم: أن يتعبَّده المالُ حتى يعتلقَ حُبُّه قلبَه اعتلاقًا يجعله مَهووسًا في جمعه، ويختلبَ حواسَّه وفكرَه، فيتركَه مجذوبًا لا تستهويه إلاّ بوارقُ الثراء وعدُّ الأرصدة والأموال، حتى يصبح لصيقًا بالرَّغام، عبدًا للدرهم والدينار؛ فالمالُ قصدُه أينما توجَّه، وغايتُه كلَّما تسبب، لا ينافس إلا عليه، ولا يهتدي إلا إليه. لا يبالي من أين أخذه، ولا كيف أنفقه، فمَطْعمُه حرامٌ، ومشْرَبُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِّي بالحرام؛ فهذا هو مَن عناه -صلى الله عليه وسلم- بدعوته المستجابةِ: «تَعِسَ عبدُ الدينار، تعسَ عبدُ الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انْتَقَش» (1) . وما أتعسه المالُ، ولكنْ حرصُه الشديدُ أتعسه، وغلوُّه في حُبِّه أهلكه.
إنَّ المالَ نعمةٌ لا تعدو أن تكونَ كسائر النِّعَم، هي محلٌّ للخير كما قد تكون محلًا للشرِّ، فإنْ يكن أحدٌ قد فسد بماله، فلقد شقي غيرُه بعقله. وإن يكن قد بطر بالمال أقوامٌ؛ فلقد بطر بالعافية والفراغِ آخرون. وكُل نعمة: الشاكرُ لها قليل، والكافرُ بها كثير.
ولذا؛ فليعلم الفقيرُ المعدمُ أنَّ ما يعانيه من الإملاق وقِلَّة ذات اليد حالٌ لا يرضاها له الإسلامُ وإنْ أمرَه بالصبر عليها، فضلًا أنْ يحبِّب إليه حياةَ العَيْلَةِ أو يدعوَه إليها. وكيف يُظن بالإسلام هذا ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يداوم الاستعاذةَ من الفقر، ويأمرُ بمدافعة الفاقةِ والعِوزِ كلَّ سبيل، فقال في وصيته الشهيرة: «إنك أنْ تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرْهم عالةً يتكففون الناس» (2) ، وهو الذي دعانا إلى الخروج من رِبقة الفقر والتحرُّرِ من ذِلَّة الحاجة والمسألة، فقال: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى» (3) .