الأول:يقوم على المبالغة في تحديد الصفات الخاصة بالمربي، ولزوم تحققها فيه بمستويات عالية، فتغلب عليه المثالية في تصور حال المربي؛ بحيث ينتهي الأمر عند مطابقة هذه المواصفات واقعيًا إلى أنه يكاد ألاَّ يكون هناك تربية ولا مربون، وإنما هو العبث وسد الخانات، ثم تبقى هذه المواصفات المثالية طي الأوراق بعيدة عن محاولة تحقيقها اكتفاءً بآهات الحسرة.
الثاني: يقوم على التساهل في صفات المربي؛ بحيث تتسع الدائرة لتشمل أعدادًا كبيرة لا يمثل الانتقاء معها مشكلة، ودافع ذلك الاتجاه تغليب احتياجات الدعوة وتبعات انتشارها وانفتاحها دون اعتبار حقيقي لحال المُنتقى.
وكلا الاتجاهين لا يصلح منطلقًا لمعيار معتدل للمربي.
فالاتجاه الأول يتجاهل أن"المثاليات تتفرق في نفوس شتى، ولا تجتمع في نفس واحدة كل المثاليات" (1) ، ولا يجتمع أغلبها إلا في نفوس معدودة و"إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة" (2) كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام - فربْط العمل التربوي بذلك تعطيل له، وإعاقة لجهود الارتقاء به، ومدعاة لكل من يعجز عن محاكاة الصورة المثالية أن يتراجع ويترك العمل، وهذا ما حذرنا منه عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد - رحمه الله - إذ لما استَعْمَل على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها ميمونَ بن مهران - رحمه الله - صعب على ميمون أن يحاكي الوضع المثالي هناك، فكتب إلى عمر يستعفيه: كلفتني ما لا أطيق. فكتب إليه عمر: اجْبِ من الخراج الطيب، واقضِ بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فادفعه إليَّ؛ فإن الناس لو كان إذا كَبُر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا (3) .
ولذلك؛ فمهمة الصورة المثالية إذن: العلاج من الانحرافات على ضوئها، وكذلك هي التي تشجعنا على الصعود أولًا، ثم على العودة إلى الصعود بعد كل انتكاس، ومن هنا يلتقي الواقع بالمثال (4) .