أما الاتجاه الثاني الذي يتبنى شعار:"الجُود بالموجود"فيفوته أن اعتبار احتياجات العمل الدعوي مع الإعراض عن كفاءة المربي وصلاحيته خلل في التصور يتبعه خلل في العمل؛ إذ إن إتاحة الفرصة لغير ذوي الأهلية والكفاية مهلكة لهم، فوق أنها مضيعة للعمل.
وهنا يأتي السؤال: إذا كان النموذج المثالي استرشاديًا، والنموذج الواقعي المنفتح لا يصلح للاسترشاد أو البدء به، فماذا نفعل؟
والجواب: أنه يلزمنا تحديد نموذج معتدل معياري للمربي يتوفر فيه أمران:
الأول: صفات أساسية هي من لوازم عمل المربي تحديدًا.
الثاني: أن تتحقق هذه الصفات في المربي بمستوى معين - يختلف باختلاف الظروف والبيئة الدعوية - يمثل الحد الأدنى الذي يفصل بين اختلال عمل المربي، وبين عروجه على طريق الرشد التربوي، وبمعنى آخر يفصل بين النموذج الانفتاحي وبين النموذج المعتدل.
وينبغي ألا تُسند للداعية أي مسؤوليات تربوية قبل موافقة حاله لهذا النموذج - وفق حده الأدنى - وإنما يحكم بذلك أهل العلم والخبرة بهذا الأمر، كما قرر الإمام مالك - رحمه الله:"لا ينبغي للرجل يرى نفسه أهلًا لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه" (5) ، ثم يأتي بعده التفاعل والارتقاء مع الهمة الذاتية واكتساب الخبرة والتمرس في العمل التربوي.
والآن نصل إلى الكلام عن صفات المربي. وتجدر الإشارة هنا إلى الاعتماد على الأسلوب التحليلي في هذه الدراسة مع تجاوز اقتصار كتابات سابقة كثيرة على ذكر فضل الصفات وأهميتها، نتجاوز ذلك إلى تحديدٍ أدق لمعنى تلك الصفات تربويًا مع الخوض في كيفية الاتصاف بها وأثر كل صفة على العمل التربوي.
الصفات الأساسية للمربي: وهذه الصفات المختارة - والتي هي من مؤهلات الداعية لممارسة العمل التربوي - يمكن تقسيمها وترتيبها - وفق ابتداء تأثيرها - إلى ثلاث مجموعات:
الأولى: مقومات البدء والانطلاق، (العلم - حسن السمت وتمثل مستوى القدوة - الثقافة والتجربة - العمق الإيماني) .