أهداف التربية بين المنهجين: إن الخصائص المذكورة التي ميزت النظريات الغربية في التربية، ومن بينها وقوع الفصام النكد بينها وبين الدين، وبالتالي التعويل على العقل وتأليه العلم، كل ذلك أوقع التربية الغربية في الذاتية والهوى ومحدودية الأفق في تحديد الأهداف الكبرى التي تتوخاها، ورغم الشوط الذي قطعته العلوم الإنسانية في الغرب، فإنها لم ترتق بتلك الأهداف (فعلى الصعيد الفردي دعت هذه العلوم الإنسان إلى الاعتماد على الذات وتقويتها؛ لأنها منبع القيم المستقل والمرجع الأخير لوجود الإنسان ووعيه بوجوده، وأصبحت الحرية في نظر الغرب متساوية مع الممارسة التي لا تخضع لمبدأ أو قانون، بل تصدر عن الإرادة الشخصية مجردة) ، وقد تأثرت نظرية التربية بهذه النزعة إلى التمركز حول الذات؛ فأصبحت ترى غايتها في إحداث التجانس في الرغبات بين أفراد المجتمع الواحد، أما إذا تجانست فلا سؤال ولا استفهام بعد ذلك في خيرها أو شرها (10) . لقد استقرت التربية الغربية على أن الهدف الأسمى (للتربية) الذي ينبغي العمل على تحقيقه هو إعداد المواطن الصالح، وشتان بين هذا الهدف الضيق والهدف الرفيع الذي ترمي إليه التربية الإسلامية، وهو إعداد الإنسان الصالح (الإنسان بجوهره الكامن في أعماقه، الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو مواطن في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان؛ وذلك معنى أشمل ـ ولا شك ـ من كل مفهوم للتربية عند غير المسلمين) (11) .