فهرس الكتاب
فانظر ـ رحمك الله ـ إلى مقولة هذا الإمام وهو في القرن السادس الهجري؛ حيث يرى بهذه النظرة معنى الأخوة في زمانه، فكيف في زماننا هذا؟ والأصل في كل زمان متأخر عن سابقه وقوع صفة الشرفية للسابق، واقتراب الفتن وأشراط الساعة، والرقة في الدين.
ولكن لا يخلو الأمر من تنفيس، والخير في أمة نبينا -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة.
ولعل من أسباب ضعف رباط الأخوة في الله غموض الرؤية لدى بعض الناس لمعانيها في زماننا. ولذا رأيت أن أسوق من أقوال وصور السلف حول هذا الموضوع ما تنحلّ به حبوة القارئ، ويسيل لعابه عجبًا واندهاشًا من هؤلاء الرجال الكبار، لنرى البون الشاسع بين ما قد حققوه من معاني الأخوة الصادقة فيما بينهم، ونرى بالمقابل ما آلت إليه في زماننا، فنصلح الخلل، وإلا تحقق فينا الحديث الشريف السابق الذكر.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (إذا رزقكم الله ـ عز وجل ـ مودة امرئ مسلم فتشبثوا بها) (3) .
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يذكر الرجل من إخوانه في بعض الليل، فيقول: يا طولها من ليلة، فإذا صلى المكتوبة غدا إليه، فإذا التقيا عانقه (4) .
وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- إذا خرج إلى أصحابه قال: أنتم جلاء حزني (5) .
ولمّا أتى عمر الشام استقبله أبو عبيدة بن الجراح، وفاض إليه ألمًا، فالتزمه عمر، وقبّل يده، وجعلا يبكيان (6) .
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: أَحبّ إخواني إليّ إذا رأيته قَبِلَني، وإذا غبت عنه عذرني (7) .
وكان الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يُقبّل رأس أبي بكر (8) .
ورئي على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ثوب كأنه يُكثر لبسه، فقيل له فيه، فقال: (هذا كسانيه خليلي وصفيّي عمر بن الخطاب، إنّ عمر ناصح الله فنصحه الله) (9) .
ولقي الصحابي حكيم بن حزام عبدَ الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ بعدما قُتل الزبير فقال: كم ترك أخي من الدّيْن؟ قال: ألفي ألف. قال: عليّ منها ألف ألف (10) .