ويعتبر الإيحاش والإعراض والترك أقل درجات العقوبة المعنوية؛ فالمعلم قد يلحظ على الصبي ملحظًا أو يرى منه تصرفًا غير لائق؛ ولكنه يُعرض عنه ويتغافل عنه ولا يعنفه أو يشتد عليه في العقوبة؛ ربما لأن الصبي قام بهذا السلوك مرة واحدة فيعفو عنه، أو لأنه كان يتوقع أن ما قام به يعتبر لائقًا وينتظر عليه مكافأة من المعلم ولو في صورة مدح أو بشاشة وجه أو اهتمام به، فيعرض المعلم عنه ويبدي له نوعًا من الإيحاش وعدم البشاشة. وقد أشار الغزالي إلى هذا الأسلوب بقوله: (فإن خالف ذلك(أي: أتى فعلًا غير محمود أو تخلق بخلق غير جميل) في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه) (21) .
ويشار إلى هذا الأسلوب في نظريات التعلم بمصطلح: (الانطفاء) .
ومعناه أن الصبي إذا قام بسلوك غير لائق وتجاهله المعلم وأعرض عنه ولم يُبْدِ نوعًا من الإيناس وبشاشة الوجه للصبي؛ فإن الصبي يبدي رغبة أقل في تكراره ويتركه؛ فينطفئ. وقد قدم لنا كل من (مارتن وبير) في كتابهما: (تعديل السلوك) عدة شروط يجب مراعاتها لكي يكون استخدامنا للانطفاء أكثر فعالية في تعديل السلوك، يمكن الرجوع إليها في مظانها لمن رام المزيد.
3-الذم والتوبيخ والترهيب:
إذا لم ينفع مع الصبي أسلوب الإيحاش والإعراض والترك يلجأ المعلم إلى أسلوب أشد في العقوبة المعنوية وهو أسلوب الذم والتوبيخ والترهيب والوعيد الشديد دون إيقاع الضرب ودون التبذل في العذل والتقريع في الكلام أو اللجوء إلى الشتم والسب. وقد جعل أبو الحسن القابسي هذا الأسلوب في العقوبة أعلى درجات العقوبة المعنوية، ويليه مباشرة إيقاع العقوبة البدنية بالصبي إذا استأهل ذلك.