فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 1113

ومَنْ قرأ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لن ينجي أحدًا منكم عملُه) ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) (9) ؛ أيقن بضعفه وعجزه، وازداد تضرعًا وافتقارًا لربه جل وعلا، ولم يتعاظم في نفسه، أو يُعجب بجهده وعمله. قال الإمام ابن القيم: «كلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله، وعرفت النفس، وتبيَّن لك أنَّ ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئت بعمل الثقلين؛ خشيت عاقبته، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضًا بكرمه وجوده وتفضله» (1) .

وكلما شعر العبد بهذه الحقيقة بانت له عظمة الخالق جل وعلا، وعرف مقدار نفسه، وهكذا ربَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ، فها هو ذا أجلّهم وأعلاهم منزلة ـ أبو بكر الصديق ي ـ يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (علمني دعاء أدعو به في صلاتي) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أعرف الناس بصاحبه ومع ذلك قال له: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) (2) .

إنها تربية ربانية تحدُّ من استعلاء العبد، وتجعله دائم الافتقار لربه، دائم الانكسار بين يديه، وإذا كانت هذه هي وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر گ وهو مَنْ هو إمامة وجلالة وجهادًا ونصرة لدينه وذبًا عن نبيه؛ فكيف يكون حالنا ونحن المذنبون المفرطون؟! نسأل الله السلامة.

وكنت أعجب من حال عمر بن الخطاب گ كيف يخشى النفاق على نفسه، وهو الفاروق الذي بشّره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت