ثم عرفت أن العبد كلما ازداد عبودية وافتقارًا إلى ربه ازداد ازدراء للنفس وخوفًا عليها، وتعلق قلبه بربه ـ سبحانه وتعالى ـ. قال ابن رجب الحنبلي: «كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة) (3) .
الثالث: أن المنة لله جميعًا:
فالمؤمن ينسب ما به من نعمة، وما عنده من طاعة؛ إلى ربه ومولاه ـ عز وجل ـ، فله الفضل والمنة، ولا يزعم أن ذلك من حوله وكده وجهده، قال الله ـ تعالى ـ: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] .
وقال تعالى ـ: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ} [الحجرات: 17] .
وفي الحديث القدسي قال الله ـ تعالى ـ: (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم) (4) .
ومن عجائب آي الذكر الحكيم: ما ورد في مطلع سورة المدثر، فعندما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنذارة بادئ الأمر، وُضِّح له طبيعة الطريق، فقال ـ عز وجل ـ: {وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] .
إنها وصية واضحة لا غموض فيها، تجرد العبد من استعلائه وإدلاله على ربه؛ تملأ القلب مهابة وإجلالًا لله ـ عز وجل ـ صاحب الفضل والمنَّة.