لقد كان على أتباع ديوي من فلاسفة التربية البرجماسية أن يستفيدوا من دراسة أرنولد توينبي كفيلسوف في تاريخ الحضارة التي كشفت القناع عن أزمة الحضارة؛ حيث تكنولوجية الحياة صارت من أهم ميادين المعرفة التي تساعد علوم التربية على تحديد مهمتها التاريخية والحضارية، كما تساعد المربين على إدراك الفروق الزمانية، واختلاف الظروف والأوضاع الحضارية، ومختلف شروط الصيرورة التاريخية.
لقد كانت التربية في عهد ديوي تعيش في أحضان الفلسفة الوثيرة متقوقعة لا تخرج عن دائرتها متقيدة بدروب مذاهبها المتشعبة، وتتشكل حسب مقتضيات مدارسها المختلفة، جاء ديوي وحاول قلب المعادلة، وزعم أن التربية هي التي تكوِّن (3) الفلسفة، وليس العكس. على أنه إن ذهب ديوي هذا المذهب، واعتبر الفلسفة تابعة للتربية فهو كبرجماتي يحاول أن يهوِّن من شأن الفلسفة أكثر من أن يحاول النظر إلى التربية من خلال نظرة أشمل على مستوى حضاري أوسع، بالإضافة إلى ذلك أنه نسي أن التربية التي نادى بها هي في حقيقتها تنتسب إلى فلسفته البرجماسية، ولا تنتسب فلسفته إلى تربية، كما أن ديوي لم ينتبه إلى بوادر أزمة الحضارة، ولعله لم يلاحظ بوادر إخفاق البدائل التي عم العمل بها، وغطت أغلب المجتمعات الحديثة، والحقيقة أن ذاكرته ما تزال عالقة بظروف أواخر القرن التاسع عشرة وأوائل القرن العشرين حين كانت هذه البدائل محط آمال المفكرين على اختلاف مذاهبهم وفلسفاتهم؛ بحيث لم يكن من السهل على ديوي توقع خيبتها، والتنبؤ بإخفاقها في أي مجال من مجالات الحياة الروحية والمادية الحضارية.
على أن بعض المفكرين الغربيين قد انتبهوا إلى ذلك بعد الحربين العالميتين، ومنذ ذلك الحين حاولوا أن يربطوا التربية بالحياة أكثر من ارتباطها بالفلسفة. كما أدرك هؤلاء أهمية التربية إلى التطور التكنولوجي الذي صار يشكل أهم قضية في مرحلة ما بعد الحربين العالميتين.