ولئن صارت مراكز النفوذ في العالم المعاصر تحددها مرتبة الدولة في السباق على التسلح فإن التطور السريع للأسلحة الحديثة يتوقف إلى حد بعيد على مستوى التطور التكنولوجي الذي حققته تلك الدولة. ولكن التطور التكنولوجي لا يتحقق إلا بقدر ما أحرزته الأمة من التطور التربوي الذي توصلت إليها منظومتها التربوية. فمنذ ذلك الحين شعرت الأمم بضرورة إصلاح منظوماتها التربوية، فترى فرنسا التي كانت تحت الاحتلال الألماني، وحكومتها في المهجر لم تشغلها الحرب، ولم تلهها أهوالها عن إعداد الخطة الإصلاحية التربوية، فكونت في تلك الظروف القاسية لذلك الغرض لجنة من أساتذة جامعة الجزائر في ذلك الوقت؛ حيث كانت الجزائر مقرًا للحكومة الفرنسية، و (ديجول) في المهجر يشرف على تلك الخطة التي شرع في تطبيقها بعد الحرب. أما بريطانيا فقررت مبدأ ديمقراطية التعليم الثانوي بقرار 1944 الشهير ـ واقتصادها محطم وعمران مدائنها مخرب ـ. وألمانيا المهزومة، واليابان المحروقة كل هذه الأمم وغيرها أدركت حاجتها إلى إصلاح نظمها التربوية حتى تكون في مستوى مرحلة ما بعد الحرب ومتطلبات النمو الحضاري السريع، ومرحلة السباق على التطور التكنولوجي، واستطاعت بالفعل النظم التربوية التي كانت موضوعًا للإصلاح الجاد أن تحقق نتائج مذهلة في الميدان التكنولوجي.
على أن التربية في هذه الأمم بعدما تأكد لمعظم أهلها إخفاق البدائل الفلسفية، وبعد أن سحبوا ثقتهم منها ركزوا على العلم، وعلقوا عليه كل آمالهم دون أن يضعوا في حسابهم أدنى احتمال للخيبة؛ مع أن العلوم الإنسانية ما تزال تكبو، وما فتئت شعلة ذكاء أصحابها تخبو، وبدا عالم الإنسان أعقد عوالم مخلوقات الله، وأعظمها شأنًا، وأرقاها شأوًا وأعقدها سرًا، وأدقها تركيبًا وأعجبها خلقة: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] .
` أسباب تخلف النظم التربوية في العالم الإسلامي من وجهة نظر العلمانيين: