فهرس الكتاب

الصفحة 814 من 1113

أما الجانب الآخر من الاعتراف بالفضل: فهو اعتراف القائد بفضل أهل السبق ومكانتهم، وهذه قضية غفل عنها كثيرٌ من قيادات العمل الدعوي اليوم، فترى أحدهم تمر عليه السنون ولم يظهر ثناؤه لرجاله الذين ساندوه، ووقفوا إلى جانبه في الملمات والمهمات، وفي المصائب والنكبات؛ ألم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول عن أبي بكر: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر» (4) وعن أبي عبيدة: «أمين هذه الأمة» (5) ، والزبير: «إن لكل نبي حواريًا، وحواريِّي الزبير» (6) ! وها هو يقول للأنصار: «والله! لو شئتم لقلتم ـ فصدقتم وصدقتم ـ: جئتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمَّناك ومخذولًا فنصرناك» ، وقال عنهم في آخر عمره: «أوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم؛ فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (7) ؛ فهل قيادات العمل الدعوي ـ يا ترى ـ قلَّبت صفحات سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وتأملت هذا الجانب؟

إن هذا التصرف من القائد له نتائج جميلة في نفوس النخبة الخُلَّص من الأتباع: فهو يبني بنيان الثقة في نفوسهم، ويكبر هو في عيونهم، ويرون أن كل ما قدموه لم يذهب هباءً منثورًا؛ فهو محفوظ في قلب قائدهم، ومرفوع ـ إن شاء الله ـ عند خالقهم وبارئهم. فلا يضرهم إن لم يحصّلوا ذهبًا ولا فضة أو دينارًا أو درهمًا؛ فكلمات القائد يخطّها الأتباع بماء الذهب؛ فتصبح أوسمة ونياشين تعلق في صدورهم، يتذكرونها في ذهابهم وإيابهم، وقبل منامهم، تشحذ فيهم همة الاستمرار على العمل، وتشعل في نفوسهم حماسًا بالغًا لتحقيق الأمل.

فالإنسان مجبول على حب الثناء من الآخرين؛ وذلك لضعفه الفطري، حتى إذا تدرج في سلم الكمال، وارتقى في درجات القرب من الله الكبير المتعال، استوى عنده مدح الصديق المنوال، وذم العدو الحقود الغالِّ.

? الوقفة الثامنة: لا لإشاعة أخبار المشاكل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت