وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم - في كتابه الذي أرسله إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ، عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم..» أخرجه البخاري (9) ومسلم (10) .
فتأمل قوله -صلى الله عليه وسلم -: «عظيم الروم» .
إلى غير لك من الأحاديث الوافرة في هذا الجانب، التي تحتِّم أن يُعطَى كلُّ ذي منزلةٍ حقَّه اللائق بحاله؛ فللأمير حق، وللعالم حق، وللوجيه حق، وللوالد حق، وللولد حق، وللزوج حق، وللزوجة حق، وللكبير حق، وللصغير حق، وللتلميذ حق، ولإمام المسجد حق، ولناقص العقل حق، وكلّ له حق بحسبه، وليس المجالُ مجالَ بسط لهذه الحقوق؛ ولكن القصد هو الإشارة بأن إنزال الناس منازلهم سبب متين؛ لتقوية آصرة الألفة والمودة، ونبذ الشقاق وسوء الأخلاق.
4 ـ معاملة الناس حسب ظواهرهم، فلا يُشتغل بتفسير المقاصد؛ فمن الناس من تجده شكاكًا في الناس، مرتابًا في تعاملهم معه، تتجاذبه فيهم الظنون، وتتوارد عليه الرِّيب؛ فلسان حاله: فلان قد رابني أمره، ولست على يقين من فلان، وإني لفي مرية من فلان.
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدَّق ما يعتادُه من توهُّمِ
وعادى محبيه بقول عُداته وأصبح في ليل من الشك مظلم
فلا يزال هذا المسكين يعاني في هذا الأمر صعَدًا، ويقاسي منه نَصَبًا، حتى يخلد إلى الانزواء، فيتفرق شمله، وينتثر نظمه.
وإن في هذا الفعل مُجافاةً لقوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ} [الحجرات: 12] .
وقوله -صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث» أخرجه البخاري (11) ومسلم (12) .
وقد ورد في السنة ما يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم - كان يتعامل مع الناس حسب ظواهرهم، دون إيغال في النيات، أو تحسس في المقاصد، فمن ذلك: